سلاماً على روحك يا موسى زاخراني الجريح في روحه

 

إبراهيم محمود

 

وهكذا، هكذا، كغيرك أيها العزيز بروحك الجريحة موسى زاخراني Bavê Gulê، رحلت، وكنت مسكوناً بين ألم مذ أبصرت الدنيا في ” 1955 ” وألم وأنت تفارق الدنيا في ” 19-12/ 2023 ” رحلت وأنت مأهول بعذاباتك الكردية. يا لبساطة حياتك، بساطة ما كنت تفكر فيه، وتصبو إليه. وكنت اشتهاء تمنّ، أن يكون لك صوت مسموع، أن يكون لك حضور امتناناً لتلك البساطة الكردية التي عرِفتَ بها، دون رتوش. تعبيراً عن ذلك الهدوء الذي كان يميّزك عن الكثيرين من حولك من بسطاء الكرد، ومن الذين سكبوا ملح القصيدة في جرحهم الكردي في صميم القلب.
هكذا عانيت وأنت تعاين أرضك الكردية التي لم تكن على ما يُرام، وأنت تتأمل سماءك الكردية التي لم تكن على ما يرام، وأنت تتأمل حياتك في حياة من حولك، وهي لم تكن على مايرام طبعاً.

 

وفي كل هذه الـ ” ما لا يرامـ:ات ” وأنت ببساطة روحك، كان قلبك يسارِع في نبضه، وأنت تنظر إلى من حولك، وملؤك كردية لا تخفي تواضعها وفجيعة مواقعها، وأنت تقول قصيدتك، وتعيش أوجاعها أنّى التفتَّ والتفتت إليك كردستانك، وملؤك حمّاها، ولك صداقة بعقْدها الروحي الصامت مع القصيدة التي أردت أن تؤكدها من لحظة طرْق بوابتها الكبرى في مجموعاتك: دبكة القصيدة- عروس القصيدة- مهد القصيدة، وقد استعذبتها واستظرفتها واستمرأتها، كما تقول العناوين هذه النصوص، وأنت تمضي من جهة إلى أخرى، وبك رغبة عالقة في سويداء قلبك دائماً، وبشهادة قصائدك، أن تسمع من يزف إليك بشرى وردة تفتحت في شجرة كردستانك، ونبع فجَّر صخرة كردستانية و” دشّن ” نهراً، وهذا يدشّن خضرة، ففرحاً في قلوب أهليك الكرد..
أي نعم، يا العزيز بروحه، موسى زاخراني، لم ألتق بك منذ زمان، ربما لأن لكل منا ما كان يشغله، وهو يؤاسي جرحه المعذّب لكامل جسده،  ويتكتم عليه ما استطاع إليه سبيلاً، وهو منذور لأكثر من علة ولأكثر من صدمة بطبعتها الكردية- الكردية، سوى أنني لم أكن بعيداً لا عنك، ولا عن أي كان، وهو يفاجأ أنني أشير إليه، أو أسمّيه، وهو موجود من دوني طبعاً، ولكن لأعلِمه وأعلم غيره أنني بمقدار ما أكون بعيداً عن كثيرين في هذا الشأن المضني، لأسباب عائدة إلي، أكون قريباً من أي كان، كردياً وغير كردي، في النسب الإنساني بمعناه الواسع .
قامشلو تشهد على أننا التقينا كثيراً، حتى في بيتك المعنى ذات يوم، وتلك السيجارة التي كنت تشعلها إثر أخرى، ولا أدري أكنت تشعلها بقداحة تحملها معك، أم بـ” قداحة ” تسخنها في روحك وقلبك وكبدك وكل خلية تعنيك، وأنت في حمّى مكابدة واقعة المنقسم على نفسه كردياً .
أي نعم، Bavê Gulêالبسيط، الهادئ، الطيّوب، المسكون بابتسامة، حتى وهو يتألم بنفسه، حتى وهو يكابد ألم المرض، وألم الوحدة الخاصة به، لك حالة تسمّيك من بين حالات تترى تفرزها الكردية ذات التاريخ الطويل بأوجاعها وتنامي حسراتها، وانتكاساتها، وأنت بعيد عن مسقط رأسك كالكثيرين من بني جلدتك، ليضاف ألم إلى ألم.
لا بد أنك رحلت بكثير لا يحصى من الألم الكردي، وما أقل أقل الأمل الذي رافقك إلى مثواك الأخير، حال كل من ينذر نفسه لكرديته الباهظة الثمن، ولمن يعيش أوجاع القصيدة الكردية حقاً.
ليس لي يا الكردي الراحل العزيز موسى زاخراني، إلا أن أقول لك وداعاً وعزائي لأهلك: أفراد عائلتك فرداً فرداً، وأهلك في عمومهم وأحبتك وأصحابك، وعزائي لقصيدتك التي لا بد أنها الآن ترتدي ثوبها الأسود حداداً عليك، وتقديراً للروح المعذبة التي سطرتها، ودامت روحك ..!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…