أجهـزة طـرد مركـزي لتخصـيب العقـول والضمائر

 ديـــار ســـليمان

 يبـدأ الحـدث و ينتهي، يعيش البعض على هامشه و يمتنع عن التصـفيق له أو تكفـيره بانتظار جـلاء الغبـارعن وقائعـه و رجحـان إحـدى كفـتي المـيزان، و كأن عقـول هؤلاء و ضمائرهـم بحاجة الى زراعة ما لا يقل عن الثلاثـة آلاف جهاز طـرد مركزي أيراني فيها، و لكن ليس لتخصـيب اليورانيـوم وصنع قنبلـة نووية كما تحاول إيـران أن تفعل بل لاتخـاذ موقف صحيـح يستند الى وقائع واضـحة.

 يمكن أن يجـد المـرء مثل هؤلاء في كل مـكان، ينشطـون تحت شـعارات: أن تصـل متأخـرآ خيرّ من أن لا تصل أبدآ، و في التاني السلامة و في العجلة الندامة، و لا تسـرع… و سواها من (الحكم) التي تـبرر البلادة و التخاذل و الجـُبن عن إتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، فيتم تأجيـل و ترحيـل قضايـا مصيرية والرهان على عامـل الزمن في حلها حتى و إن كان ثمن ذلك دفن القضية وهي لم تزل حية بعد ما دام (ابنها البـار) هذا يؤمل النفس بوراثة بعض الأسـمال التي يتوهم أنها ستقيه حر الصيف و قر الشتاء.
هناك الأسـوأ من هذا النموذج وهو الذي لا تحتاج قراراته الى المرور في دورة الإنتاج تلك، فهي مسبقة الصنع أسهم في صنعها واحد أو أكثر من ثلاثة أجهـزة: فهومتخرج من (أكاديمية) الفضائية الوحيدة والحزب الواحد و القائد الواحد، ولذلك فأن هذا النموذج  يدور في فلك هذا الثالوث ويبقى ملتصقـآ به و يقوم على خدمته بصرف النظر عن التحولات التي تجري عليه أو على الظروف المحيطة به، و نتيجة ضيق أفقه فأن عقلـه ليس مليئـآ بالقنابل فحسب، بل يقـوم بتفجيرها في الجبهة الخلفية حيث ساحته المفضلة وربما على الهـواء مباشرة (لتنظيفها) من الأعـداء المـفترضين الذين لا ينتمون الى المدرسة ذاتها، في الوقت الذي تشهد فيه الخطـوط الأمامية هـدوءآ هو أقـرب الى لعبة عـض الأصابع منه الى الحـرب الحقيقية.
هذه القنابل القـذرة تتخـذ أشـكالأ متعددة، تبـدأ من إتهام الشرفاء بتلقـي رِشــى (مع عدم وجود دليل) والتشهير بهم وطعنهم في الظهر، مـرورآ بارتـداء جلباب الشيوخ وتقديم الوعـظ على شـكل ألغام متفجـرة يتم وضعها في كل ركـن يمكن أن يكون فيه حـياة، وصـولآ الى الـذروة في الأصـرار على متابعة بطولة سلسلة (الزمن الوغد) التي يتم تصويرها في (الفنادق بدلآ من الخنادق)، رغم ما أصاب المتابعين من مـلل بسبب تكـرار الخطاب ذاته الذي أصابه الترهل، و الوجوه ذاتها التي اكتنزت شحومآ ففقدت ملامحها.
 حقآ أنه لزمـن وغـد تلك (الفرجة النيرونية) على قامشلـو و هي تحترق بجريرة غيرها، إذ لا فرق كبيرآ بين من استدعى عود الثقاب و أشعله ما دامت الغاية تحويلها الى ركام.

ولكن ألم تبلغ دورة الإنتاج نهايتها، ألم يحن الوقت الذي تنهض فيه الأغلبية الصامتة لتنفض عن أجنحتها بقايا الرماد.

 12.11.2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…