لماذا عارضت أمريكا خطة أردوغان الخامسة

د. محمود عباس

على الأرجح بدأ أردوغان يدرك بأنه خسر في مخططه الرابع في سوريا، لمحاربة الإدارة الذاتية وقوات قسد، والمتاجرة بالمعارضة السورية المسلحة، فلم يتمكن من جلب القوى المعنية بسوريا؛ كما يريده، إلى جانبه، وبدأت تظهر بوادر الفشل في مسيرة المصالحة مع الدول العربية، ومحاولات التطبيع مع نظام بشار الأسد، كما وتتبين أن روسيا بدأت تتخلى عن المشروع تدريجيا، إما لعدم خروج تركيا من الأراضي السورية المحتلة، أو لصرامة موقف النظام، والتي هي على قناعة أن تركيا لن تخرج ولن تتخلى عن المنظمات التكفيرية المسلحة إلا بعد دفعهم والنظام على محاربة الإدارة الذاتية وقوات قسد.
توضح موقف روسيا من خلال رفضها الوساطة التركية في عمليات إعادة إرسال شحنات القمح من الموانئ الأوكرانية، وتم تأجيل مؤتمرات القمة بين الدول الأربع، كما ولم يتمكن أردوغان رغم التغيير الواسع في تشكيلته الوزارية، من التأثير على الوجود الأمريكي في غربي كوردستان بالخطط الأربع السابقة، وإقناع الدول المعنية بالقضية لدعمه، ولذلك بدأ بوضع (الخطة الخامسة) وبها يقوم بتغيير التعامل الدبلوماسي، إلى محاولة أحياء خلق الفوضى العسكرية في سوريا، من خلال الإعلان عن القيام بمناورات عسكرية في المناطق التي يحتلها، والتي تسميها المعارضة السورية التابعة لتركيا بالمناطق المحررة، المناورة التي قد تكون دعما لعمليات القصف المتواصل على المنطقة والاغتيالات بالدرونات والتي لم تأتي بالنتائج المرجوة، ولم تؤثر على الوجود أو التعامل الأمريكي مع الإدارة الذاتية
 لكن ردة الفعل الأمريكي كان حاسما وسريعا، منبها أن مثل هذه المناورات مرفوضة، وهي ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار الجاري في المنطقة، كما وستؤثر على مسيرة محاربة دول التحالف لمنظمة داعش، وكان هناك موقف مشابه من قبل روسيا، بشكل مباشر وكذلك من خلال موقف النظام. ولترطيب هذه؛ ولئلا تنقطع العلاقات مع تركيا، خرجت روسيا بالدعاية الإعلامية على أن أمريكا لا تحارب خلايا داعش في المنطقة، بل تدعمهم وهي التي كانت خلف العملية التي جرت في محافظة دير الزور وقتل فيها عدد من جنود النظام، وهذه تحسب دعما لتركيا من خلال محاربة تشويه خلفيات الوجود الأمريكي في غربي كوردستان.
 لا يستبعد أن أردوغان كان يدرك أن روسيا والنظام سيعترضون، لكن ربما لم يتوقع مثل هذا الرد من أمريكا، وعلى الأرجح توقع صمتا دبلوماسيا كما في المرات السابقة. الرد السريع هذا له دلالاته السياسية، قبل العسكرية، وهي أن الموقف الأمريكي، وخاصة إدارة جو بايدن، من تركيا يتشدد خاصة في منطقة الشرق الأوسط وبوابتها غربي كوردستان، حيث التواجد الأمريكي المهم لمحاربة المنظمة الإرهابية، والتي هي على رأس القائمة الأمريكية للمنظمات التي تشكل خطر على الداخل الأوروبي والأمريكي، خاصة وأنها بدأت ترسخ من وجودها أكثر ليس فقط لمواجهة محاولات التمدد الروسي، بل للحد من عمليات تهريب المخدرات، والحد من المافيا الدولية الصانعة والمروجة لحبوب كبتاكون، والتي تتوقع أن لروسيا ضلع فيها على الأقل بصمتها وهي على دراية تامة بمجريات التصنيع والترويج.
 أردوغان لا يزال يملك قدرة المناورة، والتعامل مع دول المنطقة وكذلك مع روسيا ودول التحالف في منطقة الإدارة الذاتية وعلى رأسهم أمريكا، على خلفية الواقع العسكري والصراعات السياسية المحتدمة، بين الناتو وروسيا، والصراع الروسي الأمريكي على أوكرانيا ومحاولات الهيمنة على سوريا والشرق الأوسط. لكن رغم ذلك لا يزال يخسر في سوريا، حسب أطماعه، رغم كل الخطط والاعتداءات المتواصلة على غربي كوردستان، ومشاريع التهجير العكسي القسري للمهاجرين السوريين، ومحاولات التوطين للملايين في المناطق الكوردية والمأمول منها التغيير الديمغرافي، وهي من أخطر المخططات الجارية بحق الشعب الكوردي، تساهم فيها عدد من الدول المؤدية لأردوغان، وعلى رأسهم قطر، ولذلك نجح في بعضه. لكن مع ذلك تركيا لاتزال دون مستوى النجاح بالقضاء على الحضور الكوردي في قادم سوريا، ولا شك المصالح الأمريكية هي من بين أهم الأسس التي تضعضع مخططات أردوغان المتتالية، وهي التي تحافظ على أنه سيكون للكورد حضور مميز في سوريا القادمة، مهما كانت نوعية الدولة، لا مركزية، أو فيدرالية، أو حتى ولو قسمت إلى دويلات كما هي عليها الآن.
لا خلاف على أن الدول وبدون تعيين تبحث عن مصالحها، وفي السياسية لا صداقات دائمة، لكن الواقع الجاري في سوريا، تبين أن مصلحة أمريكا مع الحضور الكوردي، ووجود الإدارة الذاتية، إن كانت على ما هي عليه، أو بوجه كوردي أوضح، ترجح المصلحة الأمريكية أكثر من الثقل التركي في الناتو، وقد بينا أسباب الوجود الأمريكي في منطقة الإدارة الذاتية، الواضحة والمخفية، لأن المواقف التركية، ومحاولاتها الظهور كأحد دول الاستقطاب الكبرى في الناتو والعالم،  بدأت تخلف السلبيات أكثر من الإيجابيات في الصراع بين روسيا والناتو وعلى رأسهم أمريكا. لذلك فالموقف الأمريكي السياسي والدبلوماسي المعارض والسريع ليس موجه فقط لإعلان تركيا القيام بمناورات عسكرية في المنطقة، بل للحد وإفشال المخطط الروسي – الإيراني – التركي في إخراج القوات الأمريكية من غربي كوردستان، الوجود الذي تحول من بعد تكتيكي إلى واقع استراتيجي مرتبط بهيمنتها على الشرق الأوسط وصراعها مع روسيا في حرب أوكرانيا. 
ويظل السؤال: ماذا سيكون رد الفعل الأمريكي، والروسي-السوري من تركيا فيما لو لم ترضخ لضغوطاتهم واعتراضاتهم، وقامت بالمناورات العسكرية، والتي ربما ستشرك معها بعض الفصائل العسكرية من المنظمات التكفيرية السورية، والتي تسميهم بالجيش الوطني؟
الولايات المتحدة الأمريكية
16/8/2023
  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…