دروس مستقاة من هبة 12 آذار المجيدة

صلاح بدرالدين

الهبة الكردية السورية في الثاني عشر من آذار ٢٠٠٤، التي بدأت من القامشلي، على شكل مظاهرات احتجاجية في مواجهة تآمر سلطة النظام ومحاولاتها بث الفتنة، وقمع الشعب الأعزل، وبعد انتشار قوات الامن والجيش، احرق المحتجون مركز حزب السلطة، وأطاحوا بتمثال الدكتاتور حافظ الأسد، ثم انتشرت بباقي المناطق الكردية وصولا الى مدينة حلب، وقدمت كوكبة من الشهيدات، والشهداء، ( ٣٣ ومئات الجرحى و٢٠٠٠ معتقل  )، لم تتحول بكل اسف الى انتفاضة سورية شاملة بطابع وطني عام، لعدم توفر الشروط المطلوبة، وكانت بداية حدوث هجرات عشرات الآلاف خصوصا الى إقليم كردستان العراق بسبب قمع السلطة، ولكنها شكلت الأرضية الصلبة للعامل الكردي في اندلاع  الثورة السورية بعدها بتسعة عوام.
الهبة الدفاعية لم تكن مخططة لها، وبالرغم من انها جاءت عفوية، الا انها لم تنزلق الى فخ كمين الفتنة الذي نصبته سلطة النظام المستبد لاثارة الحساسية القومية المتعصبة وضرب الكرد بمجموعة جيئ بها من محافظة أخرى ، بل تمسك المدافعون بشعارات الديموقراطية، والمساواة، والعيش المشترك، واسقاط نظام الاستبداد.  
  الهبة الدفاعية ونشطاؤها، وشهداؤها غلب عليهم الطابع الوطني المستقل ، ولم يكن لاي حزب كردي أي دور في صنعها، بل ساهمت ( مجموعة الاحزاب ) الى جانب الأحزاب السورية، والشخصيات الموالية للنظام، ومنها من قدم من دمشق، في وأدها، ومحاصرتها، ووصمها بالفوضوية، والحدث العابر، والصراع بين جمهور فريقي كرة القدم ؟؟!!، وأكثر من ذلك فقد عمل مسؤولو الأحزاب الكردية دون استثناء مع وفد جنرالات مخابرات النظام الذي هرع بسرعة نحو الجزيرة على ( محاصرة الفوضى ؟! ) واستضافوهم في منازلهم، وكان بينهم ( الجنرالات المملوك، والبختيار، ومنصورة كخلية أزمة باشراف ماهر الأسد من مكتبه بدير الزور ) لأن الهبة قضت مضجع النظام، وكان بالإمكان كما ذكرنا ان تتحول الى انتفاضة وثورة شاملة ( ألم تنطلق المعارضة العراقية من كردستان لاسقاط نظام صدام ؟ ) .
لم تكن الأحزاب السورية ايضا بمستوى المسؤولية للتفاعل مع تلك الهبة الدفاعية ذات الشعارات الديموقراطية، من اجل انتشارها في باقي المدن، والمحافظات السورية.
  كانت الهبة الكردية السورية  في جانب آخر منها رسالة واضحة أكدت على سقوط الحزب الكردي شكلا، ومضمونا، وضرورة ترتيب البيت الكردي، وتجديد الدماء، وافساح المجال للجيل الشاب الجديد لقيادة الحركة،  وإعادة بناء الحركة الكردية من جديد، مشروعا، وبرنامجا سياسيا، وسياسات، وتنظيمات، وقيادات، على قاعدة استقلالية القرار، وترسيخ الشخصية الكردية السورية، وإصلاح العلاقات الوطنية نحو المزيد من التفاعل مع القضايا الوطنية، والديموقراطية، وإعادة النظر في أسس العلاقات الكردستانية على أساس التنسيق، والتعاون، وعدم التدخل بشؤون البعض الاخر.
ولان مسؤولي الأحزاب لم يفهموا رسالة الهبة الدفاعية، او تجاهلوها، ولم يستجيبوا لمبادرات الحوار، والإصلاح، والتغيير بعدها، ورفضوا مشروع عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع لحل الازمة،  فانهم باتوا في بحر من الازمات الفكرية، والسياسية، والتنظيمية ثم الأخلاقية .
كل الوفاء لشهداء الثاني عشر من آذار، وستبقى أهداف وشعارات الهبة الدفاعية عاملا من عوامل الاستنهاض القومي، والوطني بالحاضر، والمستقبل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أكرم محمد تقع مدينة القامشلي، المعروفة محلياً باسم «قامشلو»، في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، وهي تمثل جغرافياً جزءاً لا يتجزأ من منطقة «الجزيرة العليا»، التي شكّلت عبر العصور امتداداً طبيعياً وعمقاً حيوياً للمجال الجغرافي والاجتماعي الكردستاني. إن دراسة تاريخ هذه المنطقة، والتدقيق في وثائقها ومراجعها المتنوعة، يكشفان عن تداخل وثيق بين أصالة الهوية الأرضية والعشائرية للكرد، وبين التحولات العمرانية والسياسية…

شادي حاجي تعيش سوريا مرحلة انتقالية مفصلية يعاد خلالها تشكيل مؤسسات الدولة وصياغة قواعدها الدستورية والقانونية. وفي هذه المرحلة، ينبغي للأعضاء الكرد في مجلس الشعب، رغم عدم انتخابهم مباشرة من الشعب، ألا ينظروا إلى وجودهم باعتباره مجرد تمثيل للكرد، بل فرصة تاريخية للمساهمة في صياغة دستور جديد لسوريا. القضية الكردية في سوريا ليست قضية لغة وثقافة فحسب، ولا ينبغي…

صديق شرنخي عقد الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، يوم الأحد 23 آب/أغسطس 2026، مؤتمره الثالث في مدينة إيسن- ألمانيا، بشكل فيزيائي وافتراضي في آن، حيث حضر بعض الأعضاء قاعة المؤتمر، في الوقت الذي شارك آخرون عبر منصة ال «زووم» من الوطن والشتات: أوربا- أمريكا أ. افتتحت أعمال المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء والزملاء والزميلات الكتّاب الراحلين…

صديق ملا الشعب الكردي ومعه كافة القوميات والطوائف والقوى السياسية الديمقراطية والمذاهب المختلفة بحاجة إلى ضمانات دستورية وسياسة واضحة، وإشراك كل السوريين في رسم سياسة البلاد…… ذلك لأن سورية تعيش اليوم حالة ووضع استثنائي وصعب جداً وسيء ليس فقط في حماية مواطنيها وتلبية متطلباتهم المعيشية واحترام خصوصياتهم السياسية والمدنية. بل أن السياسة التي تتبعها هذه الحكومة المؤقتة لم تعد سيادية،…