إيران .. مرور مائة يوم على الإنتفاضة ضد الدكتاتور! نظرة على الشوط المقطوع وآفاق انتفاضة الشعب الإيراني! – الجزء الثاني

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

قُيمت يقظة الشعب الإيراني في انتفاضته الأخيرة على أنها “مثيرة للإعجاب” و “مهمة”، فقد تغلب المنتفضون على العديد من العقبات في المراحل السابقة من الانتفاضة، وخاصة في عامي 2017 و 2019 حيث أدركوا أن إسقاط الحكومة وبسط الصراط لحقبة جديدة لن يتحقق إلا على أياديهم، وأن بدائل لا أساس لها من الوجود داخل أو خارج النظام ومرتبطة بهذا وذاك (!) ما هي إلا فخ لفرض دكتاتورية أسوأ على إيران والإيرانيين!
سياسة الاسترضاء مع الديكتاتورية الدينية!
“الاسترضاء مع الدكتاتورية الدينية” هو إدامة لبقاء “الدكتاتورية” على أرض ما، ولقد جرب الشعب الإيراني هذا الحقيقة بضريبة وثمن باهظين للغاية وأدرك أنه حتى تتمكن الدكتاتورية من حكم الدولة فكذلك لابد لسياسة الاسترضاء من تواجد، وعليه فإن جذر هذه السياسة ستُقتَلع أيضا من خلال الإطاحة بالدكتاتورية، وما الشعب الإيراني بغافل عن خدعة السياسيين التصالحيين الذين على الرغم من إبداء معارضتهم الواضحة للنظام إلا أنهم متحالفون أوفياء مع الديكتاتورية، ولهذا السبب كانوا دائما ضد انتفاضة الشعب وحريته، ولعبوا دائما دورا لصالح الدكتاتور في المعادلات السياسية، وقد ربط أنصار هذه السياسة  مصيرهم بمصير الدكتاتور على خط “المنافع المشتركة”.
دخل مؤيدو سياسة الاسترضاء المنحازين للديكتاتورية الحاكمة إلى مشهد الأحداث بشعارات ومطالب خادعة لتهميش الشعب ومطلبه الأساسي وهو إسقاط الديكتاتور، وربما لا يخلو هذا التفسير من حقيقة أن “المهادنة من الخارج مع الدكتاتورية” إلى جانب “الإصلاحات داخل الدكتاتورية” وجهان لعملة واحدة، وهذا هو السبب في أن الدكتاتورية حاولت دائما إبقاء كلاهما في واجهة العرض بتكتيكات مختلفة، وكانت المفاوضات الطويلة ومن بينها ما جرى حول المشاريع النووية الخطرة أو التسامح مع ما تسمى بالتيارات الإصلاحية داخل النظام الدكتاتوري الحاكم في هذا الاتجاه، وبعد دفع ضريبة مائة عام من النضال من أجل الحرية والتضحيات التي لا تنتهي أدرك الشعب الإيراني أن عليه إسقاط الدكتاتورية برمتها والختم على “البدائل السوداء” على جانبي الحدود بختم البطلان!
ومن هذا المنطلق ومع استمرار انتفاضاته حتى الإطاحة بالدكتاتورية جرب الشعب الإيراني كلا التيارين تيار” دعاة الإصلاح” وتيار”الإسترضاء” وتقدم مصطفا بثبات وإحكام أمام الدكتاتورية، ولا يجهل الشعب الإيراين حقيقة أنه لولا مقاومة الشعب الإيراني لكانت دكتاتورية ولاية الفقيه قد أكلت “رؤوس” المهادنين والإصلاحيين جلست تلعق عظامهم!

آفاق انتفاضة الشعب ومواجهة الاستراتيجيات!
وعلى الرغم من أن الشعب الإيراني لم يرغب أبدا في دكتاتورية دينية إلا أن الانتفاضة الشعبية الأخيرة تعتبر نقطة تحول في رفض هذا النظام من جانب الشعب الإيراني، وتُظهر المسافة المتزايدة بين الشعب والدكتاتورية الحاكمة أن الطبيعة “الهجومية” لانتفاضة الشعب ضد الدكتاتورية وتخطيها لظاهرة “الخوف” و “اليأس” تُظهر علائم مستقبل زاهر لإنتفاضة الشعب الإيراني،  الآن هذا هو “رأس” و “جسد” الدكتاتورية يعيشان في حالة من الرعب، ولقد أوجدت عمليات الإقدام الشجاعة للشعب الكثير من الخوف والهلع لديهم لدرجة أن احتمال حدوث إنقسام في الرأس وفقدانا للقوة في الجسم هو في المستقبل القريب، وقد شهدنا بعض الحالات في هذه المائة يوم من عمر الانتفاضة.
أظهر الشعب الإيراني في هذا الفصل من انتفاضته ما مدى هشاشة تعويذة الدكتاتور في إيران وأن سقوطه أمر حاصل، ولقد أظهر بأن “الخصم الوحيد للدكتاتور” هو الشعب نفسه وأن الإطاحة به محققة على يد الشعب ايضا، وأنه لم تتمكن أي قوة أو تيار خارج حدود إيران على تحديد ممثل أو قيادة لانتفاضة الشعب، وقد اجتاز الشعب الإيراني بانتفاضته الأخيرة نقطة تحول تاريخية وثبتت حقيقة أن الوضع في إيران لن يعود إلى الماضي أبدا، وهي الحقيقة التي سيرتكز ويقوم على أساسها المستقبل. 
إن استمرار الانتفاضة وشجاعة الشعب في سبيل تقدمها دفع بالعالم إلى اتخاذ موقف بـ “حدود حمراء” في مواجهة الدكتاتورية الدينية المتسلطة على إيران، وعلى الرغم من أن الشعب الإيراني في بداية الطريق للإطاحة بالدكتاتورية الدينية الحاكمة لبلده، وكذلك ليس من السهل إزاحة 44 عاما من صمت وتقاعس المجتمع الدولي والحكومات في مواجهة ديكتاتورية الملالي، وكذلك حيدت مقاومة الشعب الإيراني العديد من المؤامرات للدكتاتورية وكذلك حيدت المهادنين وأزالت عقبات كبيرة من على رأس المسيرة في هذه السنين، لكن الـ 100 يوم من عمر الانتفاضة الأخيرة أظهرت أن شعار “يمكن ويجب” هو “أساس حقيقي” لمواجهة السياسات والاستراتيجيات الخاطئة بهذا الصدد كما في الأيام الأولى لهذه الانتفاضة حيث لم يكن (عدم الإيمان) بهذا الأمر قليلا، ولكن “نهايتها” تبدو الآن ممكنة وضرورية تماما!
وهنا يمكننا رؤية انعكاس هذا الحراك التاريخي ليس فقط في إيران والمنطقة فحسب بل وفي العالم أيضا، والآن وعلى المستوى العالمي فقد نهضت العديد من الحكومات والمسؤولين الحكوميين والمنظمات الدولية والشخصيات السياسية في الدول لدعم  انتفاضة الشعب الإيراني، وإن الموجة المؤثرة من انتفاضة الشعب الإيراني قد تحدت العديد من السياسات والاستراتيجيات السابقة لمختلف التيارات والحكومات وخاصة الغرب على نحو غير مسبوق، وها قد تصدعت سياسة الاسترضاء مع الدكتاتورية المتحكمة في إيران! بشكل قد لا يمكن من العثور على دولة الآن لم تشعر أو تعترف بتزلزل الحكومة الإيرانية.
وهنا تبرز استراتيجية إسقاط الدكتاتورية الدينية الحاكمة لإيران والتي نهضت متجلية من الرغبة الرئيسية لأبناء هذا البلد في مدار جديد  على رأس الاستراتيجيات والسياسات، الإستراتيجية الصحيحة والتي بتحققها الآن تنشأ الظروف الموضوعية في المجتمع وتتماشى بشكل كامل مع المطلب الأساسي للشعب الإيراني!
يتبع
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مصطفى جاويش منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة في أعقاب انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية، وما تلاها من دخول القوات الفرنسية المحتلة ثم انسحابها، وتشكيل الحكومات المتعاقبة التي حكمت البلاد، لم يحظَ الكورد السوريون بتمثيل سياسي فعال وملموس في المؤسسات التشريعية للدولة. ومع ذلك، شهدت الفترة الحالية في عهد الرئيس المؤقت أحمد الشرع، تطورًا لافتًا ومهمًا للغاية في هذا الصدد. فقد نال…

حسن قاسم ما يجري اليوم في العراق تحت عنوان مكافحة الفساد يكشف جزءاً صغيراً فقط من جبل الجليد. الحديث عن استعادة أو وضع اليد على أكثر من مئة مليار دولار من المال المنهوب ليس مجرد رقم، بل دليل على حجم الجريمة التي ارتُكبت بحق شعب يعيش كثير من أبنائه تحت خط الفقر، بينما تُكدّس الثروات في حسابات ومغارات الفاسدين. لكن…

تتابع نخبة المثقفين الكورد ببالغ القلق ما تعرض له أهلنا في بلدتي تل حاصل وتل عران الكرديتين بريف حلب الشرقي من حملة أمنية واسعة نفذتها قوات الأمن العام التابعة لحكومة أحمد الشرع، بمشاركة أكثر من 200 آلية عسكرية مدججة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، رافقها انتشار أمني كثيف وإغلاق لمداخل ومخارج البلدتين، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة هذه…

كفاح محمود لا تكتمل الديمقراطية بصناديق الاقتراع وحدها، ولا تُقاس حيويتها بعدد الأحزاب، بل بوجود معارضة وطنية منظمة، تمتلك هوية واضحة ووظيفة رقابية وبرنامجًا قابلًا للتنفيذ، في العراق وكردستان، لم تنجح القوى السياسية يومًا في بلورة معارضة من هذا الطراز؛ معارضة تراقب الحكومة وتساعدها على تصحيح أخطائها، لا معارضة تتشبث بكراسي الحكم وامتيازات الوزارات المدرة والأمنية، فالمعارضة عند هذه القوى…