تصعيد الثورة الشعبية وآفاقها في إيران ذروتها!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

  هذا هو سر تقدم الثورة الشعبية في إيران من أجل تحقيق النصر، حيث لن تعود الأوضاع  إلى الماضي أبدا، وبعد سقوط الدكتاتورية الدينية ستقوم سلطة وطنية وشعبية وديمقراطية لتحل محلها.
   عندما ننظر بهذا المؤشر إلى الثورة الشعبية الأخيرة في جميع أنحاء إيران، نرى أن ثورة الشعب الإيراني في خضم أوضاعا جديدةً هذه المرة حيث تمددت وتوسعت الثورة وغطت الآن 260 مدينة من جميع محافظات إيران، وتضاعف مدى الغضب والكراهية الثورية للشعب ضد الحكومة، وما ميز المرحلة الأخيرة لهذا النظام الديكتاتوري أن إسقاطه بات أمراً يلوح في الأفق القريب وهي الحقيقة التي يُجمع عليها الآن الرأي العام في إيران والعالم.
وتقنع الصور ومقاطع الفيديو المنشورة لهذه الثورة المشاهد بأن هذا تغييرٌ وتحولٌ كبيرين ولن يهزا إيران فحسب  بل سيهزا المنطقة والعالم أيضا، ذلك لأن الدكتاتورية الحاكمة طوال العقود الأربعة الماضية كانت مركز التهديد الرئيسي للسلم والأمن في هذه المنطقة من العالم، وقد جعل وجود هذا النظام الإرهابي وغير المتحضر مصير الشعوب عرضة للتهديد والمخاطر الفعلية، لذلك نرى الآن أن الظروف الموضوعية للثورة جاهزة ومهيأة من جميع النواحي، والخطوة الأخيرة يجب أن توضع على حلق الديكتاتور لإعلان النهاية، والآن يتبادر هذا السؤال إلى ذهن أي إنسان حول إن كان لهذه الثورة قدرة منظمة وقيادة كفوءة وهدف محدد؟ 
السمات الخاصة للثورة الحالية!
في الانتفاضة الشعبية عام 2017 رفض الشعب الإيراني وأبطل  الرواية التي صاغها الملالي  رواية “الأصوليين” و “الإصلاحيين” وكانوا يرددون الشعار القائل وهكذا”تنتهي القصة”، وأظهرت الانتفاضة الشعبية في خطوتها التالية في نوفمبر 2019 بعضا من غضبها على حكومة الملالي، واستطاع جيش الجياع بتوجيه من وحدات المقاومة إفشال مؤامرة الدكتاتورية الحاكمة والتي أرادت من خلال طرحها شعاراتٍ وسيناريوهاتٍ منحرفة وعلى وجه التحديد سيناريو ” رضا شاه طابت روحك ” في الاحتجاجات الشعبية سعيا منه لحرف مسار الانتفاضة الشعبية، وبهذه الطريقة يمكنه قمعها وإطفائها والإدعاء بأن معارضي النظام الحاكم هم من داعمي النظام السابق!
لكن الناس وأبنائهم في وحدات المقاومة بجميع أنحاء إيران أحبطوا هذه المؤامرة وشقوا طريقهم بشعار “لا شاهَ نريدُ ولا زعيم، والموت للطاغية المستبد” وبالطبع لم يرى خامنئي أي طريقة أخرى لبقاء نظامه سوى قطع الإنترنت و إعطاء “صلاحيات إطلاق النار” وقتل أكثر من 1500 شخصٍ من الشباب الإيراني الثائر، واعتقال عشرات آلاف الأشخاص الآخرين أيضا، وتعدادا منهم في عداد المجهولين وقتلوا بشكل سري!
 لكن الناس الذين كان لديهم إصراراً وعزم للوصول إلى الحرية لم يتوقفوا بالقتل والتهديد، وواصلوا نهضتهم وملؤهم غضب وكراهية في احتجاجاتهم بشعار “فرضٌ واجِبٌ و ممكن” بجميع أنحاء إيران وقرعوا طبول “إسقاط النظام الديني الحاكم” والتي سُحِقت وقد شوهدت زاوية منها في ثورة الشعب الأخيرة بجميع أنحاء.
وعلى الرغم وجوب استخدام كل ما هو ممكن من أجل الإطاحة بالديكتاتورية الدينية حيث إن شعار “نشاط مدني  من أجل الإطاحة بالديكتاتورية في إيران” ليس بالإجراء أو الأمرالذي  يحبه الناس بما يتماشى مع الظروف الموضوعية للثورة، وأنصار هذا الشعار إما أنهم ليس لديهم فهم صحيح للمجتمع وبالتالي ضلوا الطريق، أو أنهم لا يزالون يلهثون وراء استجداء الديكتاتورية الحاكمة بمجرد شعار «النشاط المدني» في إيران وهو بمثابة اللعب على أرض العدو حيث تذهب حصيلة ذلك مباشرة وتصب بجيوب الدكتاتورية الحاكمة!
و كانت نتيجة هذا التوجه أن داعمي هذه النظرية والتكتيك فهو خلافا لمنطق التقدم وكسر الجمود والمخاطرة مطلبا مُلزِماً للتقدم في الاتجاه الصحيح تليه تتبع الأحداث، وهذا لايعني أنك يجب أن تثور ضد الدكتاتور وتخلق “حدثا” وتدفع قيمة الحرية بالتمام والكمال!
ما لفت الأنظار في الانتفاضة الأخيرة هو تنظيم الانتفاضة ومدى انتشارها وتعطيل “النظام اللازم للدكتاتور” (أي النشاط المدني) وضرورة “المواجهة مع القوى القمعية”، ويستغل الناس في جميع أنحاء إيران إنجازات المراحل السابقة للثورة، ولطموا بأيديهم صدور داعمي نظرية النشاط المدني، وحيثما وجدوا فرصة قاموا قاموا بتأديب القوات الحكومية، وجعلوا اقتراب ساعة إسقاط النظام أمرًا في متناول اليد لإخلال توازن القوى الحاكمة!
لقد أثر نشر الصور التي تظهر زوايا فقط من ثورة الشعب الإيراني الوطنية على العالم، وفي هذا الشأن كتبت صحيفة نيويورك تايمز في 24 سبتمبر 2022: “إنها لأكثر المظاهرات توسعا وشمولا، أكثرها شدة، وأكثر صعوبة وجرأة حتى اليوم”.
مشاهد قهر فيها الشباب الثوار وخاصة النساء الشجعان قوات النظام القمعية المسلحة حتى ارتعدت أسنانها ولاذت بالفرار، وقالت قناة سي إن إن التلفزيونية يوم 21 سبتمبر 2022: “على الرغم من قمع السلطات فقد شاهدنا نساءاً يخرجن في شوارع طهران ويقاتلن ضد الحكومة، وكذلك نساءاً يهتفن بشعر الموت للدكتاتور”. 
كتبت واشنطن بوست في 22 سبتمبر 2022: “تُظهِر المظاهرات بأن الشعب الإيراني لم يعد خائفا”، وكتبت وكالة أسوشيتيد برس للأنباء: ” تُظهِر المظاهرات الأخيرة أن الناس قد تخلصوا من خوفهم”، ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية في 28 سبتمبر 2022: ” نظم الشعب الإيراني في الليلة الثانية عشرة على التوالي مظاهراته تحت قيادة النساء”.
بالتزامن مع بلوغ هجمات الشعب ذروتها على القوات القمعية الحكومية المحبطة، توجه السلطات ووسائل الإعلام الحكومية أصابع الاتهام نحو العدو الرئيسي أي مجاهدي خلق، ويُظهرون رعبهم بأشكال مختلفة، حيث  تحدث الملا أحمد خاتمي في صلاة الجمعة الإستعراضيى في طهران عن “أحداث مهمة” قد ” حدثت في النظام هذه الأيام ” وحذر من أن” الخط الأحمر للحفاظ على النظام “قد وقع في الخطر.
خبراء الحكومة أيضا مرعوبون ويقولون إن هذه “الاحتجاجات غير مسبوقة، ولم تكن بهذا الشكل في أي فترة” ولا يُخفون أن “مبدأ النظام علامة” في هذه الثورة”.
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…