الرقص على أجساد الشعوب

عز الدين ملا

‎ما نراه أن جميع أنظار الشعوب الشرق الأوسطية أو الدول التي تحكمها دكتاتوريات تتجه نحو الغرب وسياساتها وشعاراتها عن الديمقراطية والحرية والمساواة، وخاصة أنظار تلك شعوب التي ترزح تحت سلطات مستبدة تحكم بقوة السلاح وقبضة حديدية وتفرض هيمنتها وجبروتها وتسرق خيراتها وثرواتها وعلى مرأى أعينهم دون قدرتهم على فعل شيء أو قد يكون عن محض إرادتهم نتيجة التبعية العمياء لمعظمهم.
تلك الحكومات التي سيطرت بطرق وأساليب استغباء شعوبها من خلال استغلال عواطفها الدينية والعقائدية وارتباطها بالعادات والتقاليد التي ترى، وحسب معتقداتها، أنه لا يمكن تجاوزها، 
كانت شعارات تخز عواطف تلك الشعوب سبباً لتسييرهم الأعمى، وخلال كل ذلك تمكنت هذه السلطات من تمرير مآربها ومصالحها في جعل بلدانهم مزرعة لهم وأملاك خاصة تنتج من الخيرات الكثيرة والوفيرة التي لا تنضب لأفراد عائلاتهم المالكة، ويُبقي شعوبها عبارة عن عبيد وخدم لهم، ويعتبرون ذلك فناً من فنون السياسة، دون أن يعلموا أو بعلمهم أن ما يقومون به يدخل خانة اللاأخلاق، من الخيانة والنفاق والحقد والكراهية.
إن هذا التمايز وهذا التسلط خلق فجوة واسعة بين النظام والشعب، ما فتح المجال للدول الأخرى التجرؤ لـ الدخول في شؤونهم، وليّ سواعد حكام هذه الأنظمة بتلك الشعارات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تدق حساسة قلوب شعوبهم الرازحين تحت وطأة العبودية والإذلال والخنوع والتبعية، مما يتيح الباب أمام تلك الأنظمة إلى التنازل والسماح لتلك الدول بالاستفادة من ثروات وخيرات أوطانهم التي لا تنضب مقابل غض الطرف عن ممارساتهم اللاإنسانية ضد شعوبهم.
وهذا بحد ذاته أيضاً سياسة تمارسها دول الغرب وأمريكا، من خلال تلك السياسة يقدمون لأوطانهم وشعوبهم الرفاهية والازدهار، فما تمارسه دول الغرب من هذه النوعية من السياسة أيضاً يدخل في خانة اللاأخلاق واللاإنسانية. أما الاختلاف والفرق بين سياسة الغرب وسياسة الشرق، هو أن الغرب ينهب ويمتص خيرات البلدان الشرق الأوسطية من أجل ترفيه شعوبهم وتطويرها وتقدمها، أما سياسة أنظمة الشرق الأوسطية، تستند على إفقار شعوبها وتجويعها مقابل رضا الغرب على تمسك حكومات الشرق الأوسط بعروش الديكتاتوريات والاستبداد.
الوضع السوري هو الوجه الحقيقي والواقعي لتلك الأنظمة، وخير دليل على بشاعة الأنظمة الشرق الأوسطية، فمنذ عقود خلت والسلطة الحاكمة في سوريا تعتاش على شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والجمل الرنانة من عبارات، قلعة المقاومة والصمود والتصدي والوقوف في وجه المؤامرات الإمبريالية العالمية والصهيونية، على حد زعمهم، بتلك الشعارات رزح الشعب السوري تحت خط الفقر والعوز والفاقة، وهم يعتلون على بحار من النفط والغاز وجبال من الثروات الباطنية والسطحية.
‎توهم السوريون بتلك الشعارات حتى أصبحوا جزءاً رئيساً لا يتجزأ من قناعاتهم، وصل بهم الأمر بأن يضحوا بكل ما يملكون للدفاع عن تلك الشعارات والمعتقدات، كانت جميعها كـ إبرة مخدر لفقد وعي شعوبهم حتى يسرح المستبدون ويمرحوا أمام أجساد شعوبهم الميتة وهم أحياء.
ما وصلت إليه سوريا من فوضى وخراب هو نتيجة تلك المعتقدات والشعارات، وما استمرار الأزمة السورية لأكثر من عقد من الزمن إلا لعدم تمكن السوريين من تجاوز تلك الأفكار والعقيدة التي تم غرسها في عقولهم لعقود طويلة، بل على العكس استمروا وما زالوا مستمرين، ولن يتمكنوا الخروج من الوضع السوداوي ما لم يتحرروا من قيود الأفكار والمعتقدات التي يتوهمون بها للآن.
وعليه، من الأجدر الوقوف على هذه المشكلة والتي تُشكّل الشجرة الضارة التي غرست جذورها في أعماق عقول السوريين، ولِـبترها من جذورها يتوجب على السياسيين والفئة المثقفة، من كتاب وصحفيين، العمل على رسم خط بياني منتظم لها، وسحب تلك الأفكار والمعتقدات من عقول الشعب السوري، شيئاً فشيئاً تظهر الحقيقة لهم، ويميزون الصواب من الخطأ، إلى أن يستوعب الشعب جميع الأحداث ويفهم كل ما يجري حوله، فـ “تلين العقول” وتتوسع النظرة المستقبلية وتنفتح النفوس على بعضها البعض، وهنا تجتمع المكونات وينتهي الإقصاء والتهميش، ويفتح المجال أمام تقبُل الآخر وبناء أمل ومستقبل مشرق لسوريا الحديثة، سوريا كل السوريين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…