الكورد والحرب الإعلامية

عزالدين ملا
التحرُّكات الأخيرة التي تحدث في سوريا عامة وفي المناطق الكوردية خاصة يبث الخوف والريبة في قلوب من تبقى من الشعب السوري في مناطقه، وأخص بالذكر المناطق الكوردية، كل الأحاديث تدور حول اجتياح تركي جديد إلى مناطقه وتقطيع أوصال أرضه. ولكن إن إمعنا بعين الخبرة والرؤية السياسية نستطيع أن نطمئن الكورد بعكس ما يتردد، فكل تلك الأقاويل الإعلامية آراء وتحليلات شخصية تعبر عن رأي المتحدث، وتهديدات اردوغان ليست سوى حرب نفسية وضغط لتمرير سياسته. 
نحن نقف على ساحة التوازنات وليس أعمال عشوائية تقوم بها دولة ما في مكان ما، فهذا يكلفها الكثير وقد يصل إلى حد الحرب لا يدفع ثمنها سوى تلك الدولة، لأنها أخلَّت بتلك التوازنات، كما حدث إبان إجتياح الجيش العراقي للكويت في زمن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث دفع ثمن ذلك الاجتياح الجيش العراقي ونظامه.
الصراع في المنطقة قائم على طبيعة التوازنات والإتفاقيات المصالحية، ووجود هذا الكم من الدول في الصراع السوري ليس سوى جزء من تلك التوازنات والمقايضات الدولية، وما الاجتماعات التي ترافق الحرب الإعلامية سوى أساليب التقايض والتبادل وليس لأجل مصلحة الشعوب المضطهدة أو مصيره.
خلال النصف الثاني من العام الحالي 2021، حدثت تغييرات كبيرة ومهمة والتي أعقبت اجتماعات بين الدول الكبرى والدول الإقليمية والتي ستغير مفاهيم سياسية كثيرة، كما حصل في الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان بعد اجتماع بايدن وبوتين, وبايدن وأردوغان والإجتماعات الأمريكية مع بريطانيا وفرنسا وبعض دول أخرى، هذا الإنسحاب الذي إعتقده الكثيرون أنه جاء هكذا دون ترتيبات، هذا غير صحيح، حدث الإنسحاب بعد أن إتفقت الدول المعنية وخاصة أمريكا وروسيا على كافة النقاط الداخلة والمتداخلة فيما بينهما.
السياسة ليست كل ما يقال في الإعلام، إنها أسلوب الفهم العميق في جميع مداخل ومخارج الأحداث وكذلك المصالح والنفوذ، وفهم التوازنات الدولية والإقليمية، وكيفية التوافق والمقايضة.
ما يحدث الآن في سوريا ليس سوى أساليب الضغط والتنافس، أما جميع التحليلات عن المناطق الكوردية كلها تخمينات فقط، لا تستطيع أي دولة التحرك دون موافقة بقية الدول مع تنفيذ شروط التوازنات.
سوريا تسير نحو ترتيبات جديدة ومهمة ورسم حدود مناطق النفوذ وفق معايير التوازن، وما الجلسة السادسة لـ اللجنة الدستورية بداية تلك الترتيبات وخاصة وأن الجلسة جاءت وجهاً لوجه بين وفدي النظام والمعارضة، حتى ولو أن هذه الجلسة لم تفض إلى أي نتائج ملموسة لأنها بالأساس عملية إلهاء وإضاعة وقت، إلى أن يتم تسوية ما بقيت من تفاهمات بين تركيا وروسيا والنظام، أما أمريكا مركزت مواقعها في المناطق الكوردية في أقصى شمال شرق سوريا، فمجيء أمريكا إلى تلك المنطقة وتمركزها في مناطق استراتيجية ومهمة ليس من أجل أن تنسحب لاحقا، ومن الممكن أن تسحب قواتها من ديرالزور والرقة بعد التوافق والتقايض بين الدول المتداخلة في الشأن السوري، أما منطقة الجزيرة الكوردية فمن المستحيل تركها بهذه السهولة. دائما أمريكا تبحث عن ورقة القوة في التوازنات الدولية، والكورد تلك الورقة القوية يستفاد منهم في الضغط ليس على المنافسين لها من روسيا والصين بل بالضغط حتى على حلفائها الذين يتمادون في أطماعهم كـ تركيا مثلاً.
مستقبل القضية الكوردية في غرب كوردستان نحو مفاجآت في مجملها لصالح الشعب الكوردي وقضيته العادلة ضمن سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية. والمطلوب عدم الترهيب الإعلامي للمواطنين وتخويفهم بالتهديدات التركية، لأن الحرب النفسية لها تداعيات كبيرة على الوجود الكوردي في مناطقه، كل تلك الأساليب يستخدمه أعداء الكورد وبمساعدة أدواته من العملاء المحسوبين على الكورد لتفكيره بالهجرة.
على الحركة الكوردية والسياسيين والمثقفين والعقلاء العمل بروح المسؤولية وحشد الطاقات ولملمة الجراح وإدخال الطمأنينة والتفاؤل إلى قلوب الشعب الكوردي وتشجيعه على تحمل الأعباء المعيشية والإقتصادية ورفع معنوياته لكي يبقى متمسكا بأرضه ووطنه.
اكتب إلى عزالدين ملا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…