بلا رقيب

مشعل التمو

في إحدى حلقات زياد الرحباني الإذاعية القديمة قال (إذا كنت لا تستطيع تغيير النظام السياسي فحاذر أن يغيرك هذا النظام) وهذا الحذر تهاوى في سوريا البعث والأمن والقمع والصهر العنصري , فباتت أغلبية الأطر الموجودة العربية والكوردية والأشورية نسخ مأزومة أو تموء بالأزمة , منها من انشق بالتتالي , ومنها من ينتظر دوره في الانشقاق والتبعثر , ولعل المشترك الاعظمي الذي يجمع بينها هو عدم قدرتها على مواجهة الحاضر وخوفها من المستقبل , أنها صيغة لأحزاب تمر في مرحلة انتقالية , تنتظر منقذ إلهيا
أما أن يعيد استقرار النظام الأمني فتعود إلى سكونها وعطالتها , أو يسقط النظام فيستقر وضعها على ما هو عليه , وفي الحالتين هناك الانتظارية التي تميز هذه الأحزاب , فلا هي أحزاب سلطوية , ولا أحزابا للمعارضة , رغم انتمائها شكليا لهذا الإطار المعارض أو ذاك , ولكن هذا الانتماء يبقى في حدود الانتظارية إياها , دون تجاوز حدودها وتصويناتها وبعض مما أوجبه متغير النظام ورعبه الأمني , وهو ما ينعكس سلبا على العمل السياسي برمته , من حيث عدم ممارسة هذه الأحزاب أي فعل أو نشاط منظم في المستوى الأفقي للمجتمع , بل يكتفي اغلبها بتصريحات نظرية تكون متناقضة في اغلب الأحيان , ليس فقط مع دور هذه الأحزاب السياسي والمفترض انه تغييري , بل حتى مع دورها في الدفاع عن لقمة الشعب الذي تزداد فيه الأوضاع المعيشية حدة لدى غالبية الشعب السوري , ولا يجد هذا الشعب سندا سياسيا أو معارضة منظمة تدافع عن الحياة الإنسانية له , في وجه نظام يريد تحويل سوريا إلى حدود وهمية يقطنها جيش من المتسولين والعبيد .
أن ما يمارسه النظام وما فعله من تزييف وتغييب للمجتمع , يفترض وجود جبهة معارضة واضحة المعالم والتصور والفعل المجتمعي , بمعنى جبهة قطعت مع الاستبداد وتجد في نفسها قدرة البديل السياسي والقيادي , لكن الموجود باعتقادي ليس على الصعيد الإعلاني المحض , بل على صعيد الدور المجتمعي, هو احد حالتين أما حالة الاستنكاف عن الموالاة العلنية أو الابتعاد عن المعارضة الصلبة والمحسومة التوجه السياسي , واعتقد بأننا في سوريا نعاني من تداخل في حدود الموالاة والمعارضة , وهناك إشكالية منهجية في هذا السياق , حيث الانتظارية المترقبة لمنعكسات دولية أو إقليمية تضع البعض من المنتظرين في خانة ما , دون أن يكلف نفسه دفع أية ضريبة للوصول إلى الموقع ذاته.
اعتقد بأننا أمام مرحلة مصيرية تحتاج إلى صيغ سياسية تمتاز بالقدرة على التغيير وإعادة التشكيل على أسس عصرية وعقلانية , ولم نعد نحتاج إلى اطر تعيد إنتاج ذاتها المأزومة , سواء عبر انضوائها في اطر تتبنى نظريا المعارضة , أو تبحث عن شكلانية أخرى تستند على العاطفة القومية هنا أو هناك , ودائما الرفض والعمل على تغيير الواقع لا يكون بالشعارات فقط , بل بالمواجهة والتحدي وإسقاط مشروعية النظام الأمني ومرتكزات لعبته , وعلى مر التاريخ الذي وصفه انجلز بأنه ( يتقدم من جانبه الأكثر سوادا ) وهذا ما يفسر صمت أغلبية الأطر وابتعادها عن المواجهة مع النظام , رغم شعاراتها المنددة بسياسته , لكن هذا التنديد النظري والشكلاني , يتحول إلى قبول واستسلام مجتمعي , بغض النظر عن السلوكية التبريرية للعجز والضعف المأزومة في مواجهة أزمة النظام وتخبطه السياسي وابتعاده عن الشعب السوري ومصلحته الوطنية.
أن ازدياد حدة القمع والعنف ضد المجتمع يأتي في سياق حماية السلطة والحفاظ على استقرارها الداخلي في مواجهة تزعزعها ولا استقرارها الخارجي , وبالتالي فمن المفترض بالقوى الداعية إلى التغيير السلمي والديمقراطي , مواجهة السلطة في دوائرها وكسر هذه الدوائر , على أرضية توفر البديل السياسي القادر على إدارة السلطة , بل والتناوب عليها , عبر صندوق الاقتراع , بمعنى أن الوسيلة الوحيدة لانتزاع المواقع من السلطة القمعية هي مقارعتها داخليا , وبالتالي فنحن عندما ندعو إلى المشاركة في أي عملية مجتمعية , ندعو إلى علنية سياستنا المعارضة وبأننا البديل الشعبي والسياسي لهذا النظام , ولن ننتظر منقذا من هنا وهناك , بل نستند إلى قوى الشعب السوري ومصلحته في التغيير , واذا كان البعض يصر على الانزواء باسم المقاطعة , (وهي لا تشبه المقاطعة بأي شكل من الإشكال) , التي نعتبرها موقف ضعيف , انتظاري , ويأتي في سياق الحفاظ على ماء الوجه عربيا , وفي سياق الحفاظ على الاستقرار السلطوي في المناطق الكوردستانية كورديا.
أننا نشتغل ونناضل انطلاقا من الواقع المعاش , ومن موقع المعارضة والرفض لسياسة هذا النظام , ونحاول إيجاد الحلول من داخل المجتمع ولمصلحته , وهي حالة نجزم بأنها تؤسس لفعل سياسي مقاوم , يستند إلى وعي وإرادة مواجهة , يرفض التوفيقية والتدثر بعباءة عدم وجود الديمقراطية , فالنظام الأمني بعطالته وبنيته وممارساته وسياساته , لن يقدم الحرية والديمقراطية  لاي منتظر أو متسول لأنه بالأساس لا يفهمها , بل أن الحرية والديمقراطية تنتزع وبكل الوسائل السلمية والديمقراطية , تنتزع إذا وجدت من يمتلك الوعي بها , ويمتلك الإرادة النضالية وقوة المواجهة , ناهيك عن الرؤية السياسية البديلة , واذا كان النظام الأمني يندرج في خانة قوة الضعف , فأننا نسعى إلى الخروج من خانة ضعف القوة ؟.
—–
عن جريدة المستقبل جريدة سياسية غير دورية – العدد 11 – 2007 –

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…