سعر صرف العملة السورية إلى أين ؟؟

بهزاد عجمو 

إن تحديد سعر صرف العملة في أي بلد من بلدان العالم ليس بالعملية السهلة كما يعتقد البعض لأن عوامل عدة تؤثر في ارتفاعها أو انخفاضها ، منها عوامل خارجية و أخرى عوامل داخلية ، بالنسبة للعوامل الخارجية فهي فرض حصار اقتصادي على ذلك البلد أو تعرض عملة هذا البلد للمضاربات في البورصات العالمية كما حدث قبل عشرين عاماً تقريباً عندما تعرضت عملة أحد بلدان شرق آسيا للمضاربة في بورصة ” وول ستريت ” في نيويورك من قبل ملياردير أمريكي من أصل يهودي فجعل عملة هذا البلد تهبط إلى الحضيض و أفرغ البنك المركزي في ذلك البلد من العملات الصعبة ووصلت إلى مرحلة الإفلاس، أما من أهم العوامل الداخلية فإن تحديد سعر صرف عملة أي بلد يتبع لعدة مؤشرات اقتصادية و عسكرية و أمنية و اجتماعية ،
بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية التي تؤثر في تحديد سعر صرف العملة أهمها : الميزانية العامة ( الإيرادات و النفقات ) و الميزان التجاري ( الصادرات والواردات )  و الناتج المحلي و الناتج القومي و معدل النمو الاقتصادي و معدل التضخم و حجم الإصدار النقدي الجديد و دخل الفرد و كمية الاحتياطي من العملات الصعبة و الذهب في البنك المركزي و هذا الاحتياطي هو أم عامل في الحفاظ على سعر الصرف و تكون بمثابة صمام الأمان ، و إذا أُفرِغَ البنك المركزي من العملات الصعبة والذهب يعني ذلك انفجار صمام الأمان و بالتالي تصبح تلك الدولة في عداد الدول المفلسة ، فكل المؤشرات السابقة تؤخذ بعين الاعتبار في التعاملات الاقتصادية في البورصات العالمية و الإقليمية من أجل تحديد سعر الصرف و هنا عامل العرض و الطلب يلعب دوره ، أما في سوريا بما أنه لا توجد بورصة بالمعنى الحقيقي فإن شركات الصرافة تقوم مقام البورصة فتقوم باللعب بسعر الصرف لجني الأرباح ، و هي تعلم بأن البنك المركزي قد أفرغ من العملات الصعبة و لا تستطيع ضخ العملات في السوق ، أما بالنسبة للمؤشرات الاجتماعية و العسكرية و الأمنية ، فبفقدان الأمن و الاستقرار ، هناك قانون اقتصادي يقول ” رأس المال جبان ” أي عندما يشعر أصحاب رؤوس الأموال بأن هناك عدم استقرار و قلاقل و حروب فيهربون مع أموالهم إلى الخارج حتى أنه قبل العام  2011  كان هناك ثمانون مليار دولار للمستثمرين السوريين في الخارج ، فلا شك الآن و بعد هذه الحرب فإن رؤوس الأموال التي هربت إلى الخارج هي أضعاف مضاعفة و يتحمل مسؤلية كل ذلك النظام بسياساته الخاطئة  ، و بالمناسبة  قبل ربع قرن قرأت في “جريدة الحياة اللندنية ” إن تجار سوريا يعتبرون من أشطر تجار العالم ” فلو كانت هناك سياسة حكيمة للنظام لكان الاقتصاد السوري يضاهي اقتصاد بعض الدول الأوربية ، لكن الفساد و الاستبداد و الاستفراد هي التي أوصلت سوريا إلى هذا الوضع المأساوي و نستطيع أن نقول بأن سوريا في الأشهر الماضية دخلت في منعطف خطير جداً من الناحية الاقتصادية ، لأن النظام قد ارتكب خطأين كبيرين من الناحية الاقتصادية ، الخطأ الأول : ممارسة الضغوطات على رامي مخلوف و من يدور في فلكه ، لأن هذه المجموعة كانت بمثابة الاقتصاد الموازي أو الظل بالنسبة للاقتصاد السوري فهؤلاء هربوا بأموالهم من العملات الصعبة إلى خارج سوريا لأن هؤلاء كان لديهم إمكانيات من رؤوس الأموال الهائلة و خاصة العملات الصعبة و كلها قد هربت إلى خارج سوريا ، رغم أن هذه الأموال قد سُرِقت من قوت الشعب السوري إلا أن بوجودها داخل سوريا كانت تدعم الليرة السورية بشكل مباشر ، أما الخطأ الثاني الذي ارتكبه النظام إصدار عملة جديدة من فئة الخمسة آلاف ليرة سورية ، حيث طبعها في روسيا و ذلك لتغطية نفقاته العسكرية أو دفع رواتب الموظفين ، إن طباعة العملة دون أن تكون مغطاة بالعملة الصعبة أو الذهب ستؤدي إلى التضخم و التضخم يؤدي إلى انخفاض سعر العملة المحلية ، لذا لا نستبعد أن يصل سعر صرف الدولار إلى قيمة تلك الورقة من فئة الخمسة آلاف ليرة و ربما أكثر ، إلا إذا توصلت كل من أمريكا و إيران إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي و إصدار قانون مثل قانون ( مارشال ) الذي أُصدِرَ بعد الحرب العالمية الثانية و بموجبه حدث إعادة إعمار لأوربا ، فإذا حدث اتفاق أمريكي إيراني فيما يخص البرنامج النووي الإيراني و أصدر قانون إعادة إعمار سوريا يمكن أن يتحسن سعر الصرف ، لأن الاقتصاد السوري أصبح الآن مرتبطاً بالاقتصاد الإيراني و هذا ليس سراً لأنه قبل عدة سنوات صرّح أحد المسؤولين الإيرانيين بأن سوريا تعتبر أحد المحافظات الإيرانية ، فسعر صرف العملة الإيرانية و السورية و العراقية و اللبنانية أصبحت مثل أحجار الدومينو مصفوفة إلى جانب بعضها البعض فوقوع حجر الدومينو الإيراني يجعل كل أحجار الدومينو التي ذكرناها تقع ، فهذا يدفعنا إلى استنتاج بأن الاقتصاد والسياسة لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض و أنهما يسيران في خطين متوازيين و أن الاقتصاد هو الركيزة الأساسية و البنية التحتية للسياسة و لا يمكن أن يحدث استقرار اقتصادي إذا لم يكن هناك استقرار سياسي و العكس صحيح . 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…