كمثقفين نظن أننا فوق أحزابنا

تجمع الملاحظين: كاوار خضر
تتمة للحلقة السابقة؛ والتي تناولنا فيها مقال الأستاذ مرعي المعنون بـ«لم يظهر حتى الآن…»، وبينا فيه أن لأفكار العقدية تأثير على الإنسان، ولكن ليست هي الكل… والمجتمع الذي تسوده البساطة ينجر بسهولة إلى الأفكار الرنانة ويندمج معها، حين الفشل يعزو ذلك إلى أسباب أخرى لا تمت إلى الحقيقة كثيرا. ونحن كمثقفين نرى ذاتنا فوق الأحزاب؛ في حين إذا دقق مدرك في مقالاتنا لوجدنا أدنى منها بكثير، بل لتيقن أننا من نحجم تفتق الذهن وجلاء الغشاوة عن البصيرة، وإعمال العقل لقرائنا…
عندما يفشل الضعيف يبحث عن المبررات لنفسه؛ في حين الناجح يبحث عن أسباب الفشل في ذاته أولا ويزيلها. وما قام به أوائلنا إبان الانتداب الفرنسي والحكم الوطني في سوريا، كان إزالة المعتقد السائد أولا؛ ونرى ذلك في أشعار الشاعر الكبير جكر خوين، وفعاليات المناضل أوصمان صبري، وغيرهما… وعليه كانت النتيجة صفرا؟ فالأفكار المعتنقة من قبل مجتمعنا تحولت إلى حالة اجتماعية منذ اعتناقنا إياها، وهذا ما كان غائبا عنهم، وقدموا الحالة الاجتماعية على التحررية؛ لجهلهم أنه لا يجوز تقديم الحالة الاجتماعية على التحررية في مرحلة التحرر الوطني. حاربوا الدين والنظام العشائري والاقطاعي، فكان أن شقوا المجتمع إلى فئة قليلة تشعر بوطأة الحالة الاجتماعية، وفئة غالبة مدينة بالأفكار السائدة. ويلزم لتغيرها وقت طويل ووطن محرر، حسب الخبراء، حتى يتخلى عنها المجتمع. ومن جهة أخرى الحالة الاجتماعية لشعب محتل مرهونة بإرادة محتله؛ لا تتغير حالته بالشكل المطلوب إذا لم يشأ هذا المحتل ذلك. لعدم معرفة أسلافنا بالوعي النضالي اعتقدوا بتغيير المعتقدات السائدة أولا سيكون التحرر ممكنا، بهذه الخطوة انشق مجتمعنا إلى فئتين متحاربتين، ليستفيد منها محتليه. وهكذا لم يفلحوا في التحرير ولا في تحقيق المطالب. لانعدام وعيهم النضالي. وكان اعتمادهم في النضال على الأسلوب القديم العائد إلى عهد السيف والرمح… وما يؤسف له، ما زلنا نعاني من ذلك الموروث، لكن بمظهر جديد. وما مقال الأستاذ مرعي في أسباب فشلنا سوى صورة معدلة للمفهوم القديم بلباسه الحديث. ما نريد توضيحه هو بالنظر إلى مقاله هذا نجده يكرر نفس النموذج الخاطئ لأسلافنا فيما مضى وإلقاء أسباب الفشل على اعتناق الأفكار والمعتقدات… دون الرجوع إلى الذات وتأهيلها ليكون العامل الذاتي مواكبا لعصره. ليس الأستاذ مرعي هو الوحيد الحامل لهذا المعيار، فجلنا مثله، ربما نكون أكثر منه متمسكين بالقديم البالي مع ظننا أن ما نحمله عصري؟
rawendkurd3@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….