في تلك الأرض الباردة! عن زاغروس آمدي وغربة واغتراب الكاتب الكردي2-3

إبراهيم اليوسف
الكاتب الكردي حامل الجمر!
 ثمة ما لاحظته من خلال تتبعي جوانب جد  بسيطة وسريعة- بحق-  من سيرة الكاتب، بل مشروع المفكر، أو المفكر زاغروس آمدي، أنه هاجر مسقط رأسه مكرهاً مرتين- وصفة المفكر كثيرون يتحفظون على إطلاقها إلا بعد أن تأتي مطوبة من وسائل إعلام أو جهات نشرية – وهو باحث مفكر، حقاً، وإن لم يصدر له سوى كتاب يتيم، إلا أنه مشروع تأسيس لخطوة أخرى، لتحرر العقل من سطوة النص المقدس، ناهيك عما كتبه في مجال السياسة، بجرأة منقطعة النظير، سواء اتفقنا معه أم لم نتفق، وكانت هجرته الأولى في العام1989، بسبب  شراسة الضغوطات التي واجهها، كمهندس شريف، من قبل رموز  أخطبوط الفساد، ومن يستظهرون بهم في الغرف المعتمة، والمكشوفة في آن، في محافظة حلب، إذ رفض الرشا التي قدمت له، ليتم تهديده من قبل تلك المافيات- مافيات التعهدات- وشركائهم من  أعلى هرم السلطة، 
 وكانت رأسه مطلوبة، فأقنع أباه أن يسافر، ليتابع دراساته العليا في النمسا، وليعود إلى الوطن في العام2007 – وهو الحاصل على الجنسية النمساوية- بعد أن أمن ثروة ولو بسيطة ليؤسس لمشروع اقتصادي يؤازره في استكمال مشروعه المعرفي. الفكري، إلا أن انحراف  بوصلة الثورة السورية ، وهيمنة الدخلاء عليها، وعسكرتها، واشتعال أول- الديناميت- الذي اكتنزه و أسس له النظام السوري عبر فرض سياسات القهر، والاستبداد، والدكتاتورية، والفساد، اضطره، للهجرة، مرة ثانية، وتكون الأخيرة-للأسف- لأنه لامناص من دفنه في تلك الأرض الباردة، بعد سلب واغتصاب مسقط رأسه: عفرين.
أجل، مانراه في كلتا الهجرتين أنهما تمتا بسبب أشكال العنف. عنف النظام الذي أدى إلى الحرب في سوريا، وعنف بعض أدوات هذا النظام، ومن احتضنهم طويلاً، أو آواهم، أو استقدمهم، أو كان سبباً في استقدامهم، لتشتعل خريطة المكان، ويواصل النظام تشبثه بالكرسي، شأن من تغتصب- أمه- أمام عينيه، وهو يراقب المشهد، متلذذاً، مبتكراً أسباب سلامته، ومصلحته، ولو غدت” مؤخرته” الضريبة الثانية، من دون أن تحرك فيه استغاثات أمه الاستشعار بوخز النخوة، و مايرتبه جرح الشهامة، وألم انتهاك الكرامة العظمى.
 
 مالفت نظري، بعيد رحيل- زاغروس آمدي- وأنا الذي لم تكن لي معرفة عن قرب به، إلا بعد لقائي به في 2018 في فيينا، كما أشرت في مقال سابق- وكان لقاء مباشراً في دقائق- إلا أنه من أبرز الذين كتبوا رأيهم- بما له وما عليه، كما تابعته وكانت بيننا مراسلات – وذلك بحدة، وشجاعة، لاسيما ما كتب بعد الحرب في سوريا، وهجرته الثانية، في الوقت الذي يؤثر كثيرون من الكتاب و كتائب الكتبة  الذين ظهروا على مسرح الكتابة نتيجة – تحولها لأداة ارتزاق وتكسب- في الوقت الذي لم يجد مفكر كإبراهيم محمود مكاناً لنشر مقال له عن صديقه – رياض نجيب الريس- الذي توقف قلبه عن النبض ليلة أمس، بسبب فيروس كورونا، بعد معاناة سبع سنوات مع غسيل الكلية مرتين أسبوعياً، بالرغم من أن إبراهيم صاحب ما يقارب الثلاثمئة كتاب، بما يؤهله ليكون أحد أكثر الكتاب المعاصرين، غزارة إنتاج عميق، وليس إنتاجاً كمياً، فحسب، وهي ذروة مأساة كاتبنا الكردي الذي يعاني من مؤسسات كردستانية: جاهلة مسؤولي القرار، لاتحتضن إلا المصفقين لها، وهكذا بالنسبة لمؤسسات بلدنا: سوريا الذي لنا موقفنا المبدئي من النظام، والتابعين له، من جهة وهكذا من قبل زملاء وأصدقاء مكترين، عاملين في مؤسسات مدعومة: من ممولين مشبوهين في الغالب، لنا موقفنا منها ومنهم، بل حتى لهم ولمموليهم مواقفهم منا، وكنت وإبراهيم نسترجع ليلة أمس البحث عن مكان لنشر سلسلة مقالات له عن الراحل الريس الذي طبع له أحد عشر كتاباً – ولعله أكثر من احتضنهم رياض- ولم ينفذ من تولوا إدارة المؤسسة من بعده نشر حتى الكتاب الذي اقترح الراحل على إبراهيم الاشتغال عليه حول الأدب الكردي، وهو: “النزول إلى الجبل”، بما يعني تغيير بوصلة مؤسسته!
بعد يومين من توقف قلب زاغروس آمدي، وحيداً، في أحد مشافي النمسا، لم أجد مجرد منشور واحد عنه- وياللكثرة الكاثرة من كتاب الاتحادات المتكاثرة عددياً بعد2011بما يكاد يذكر بدوة انشطارات الأحزاب- وماكنت لأسمع بهذا النبأ الأليم، لولا أن صديقاً مشتركاً أعلمني بذلك، كما أن الفضائيات- المحتكرة- التي تنشغل بأخبار جد سخيفة، أحياناً، تجاهلت نبأ رحيل هذا العلم، ولم أر حتى على صفحات الفيس إلا مجرد إشارات خجولة إلى رحيل هذا المثقف الكبير، وهو مادعاني للسؤال:
هل هذا التجاهل تم بسبب آراء الرجل الذي فتح باب العقل والشجاعة على مصراعيه، وكانت له مواقفه الجريئة حتى بخصوص ما يتم كردستانياً؟، فهو مثال عمن خسر اهتمام: سورييه وكرده، وهو ابن عفرين المحتلة من قبل تركيا وفصائل الارتزاق القذرة الذي تمارس الدعارة، والقتل واللصوصية أمام عيون من يزعمون أنهم قادة العالم، والحريصين على سوريا: أمريكا وروسيا بل والغرب والعرب والمسلمين، نتيجة سقوطهم في فخاخ وألاعيب أردوغان سلطان الأكاذيب والخداع!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..