من هرقل عظيم الكُرد إلى أطفالهم المخطوفين

حسين جلبي
عادةً، وفي جميع بلدان العالم، تسمى الفعاليات الثقافية، مثل المهرجانات والمؤتمرات ومعارض الفن والكتب، وكذلك الجوائز الأدبية بأسماء الأدباء والفنانين الذين لهم ابداعات في شتى صنوف العلوم الانسانية. فمن هو “هركول” الذي سُمي معرض كُتب باسمه في القامشلي، وتناطح بعضهم وتصارع من أجل حضوره في دورته الحالية التي كانت الرابعة؟ شخصياً، لم أسمع بأديب كُردي أو حتى عربي أو عالمي باسم “هركول”، الوحيد الذي سمعت به في التاريخ هو “هرقل عظيم الروم”، ولم أتصور ـ في الواقع ـ بأنه المقصود في معرض القامشلي للكتاب، خاصةً بسبب تسميته بمعرض “الشهيد هركول”. فهل الشهيد هركول هذا، هو باحث أم روائي، أم قاص، أو شاعر أم رسام كاريكاتور كُردي؟ وهل استشهد دفاعاً عن حرية الرأي والتعبير والكلمة، أم تعرض للاغتيال مثلما يحدث مع كثير من الكتاب من أجل مواقفهم، وما هي قصته مع المعرض حتى يُسمى باسمه؟
في الواقع الشهيد هركول، لا علاقة له لا بالكتابة ولا بالأدب ولا بحرية الكلمة، فقد توصلت من خلال محرك البحث “غوغل” بأنه كادر عسكري في حزب العمال الكُردستاني، توفي قبل سنوات في حادث مروري غامض تعرضت له سيارته حسبما أعلن الحزب، ولا أعلم ما هي صلته ـ رحمه الله ـ بالكتاب، حتى يُزج باسمه في الثقافة ويطلق اسمه على معرض كتاب، دون أن تكون هناك صفحة أو سطر واحد من انتاجه؟ إلا إذا كان الأمر لا يعدو عن كونه جزءاً من الملهاة الكُردية، التي أصبح الشهيد عنواناً لكل شيء فيها، يرفعه “حزب الشهداء” في وجه الآخرين لشلهم نفسياً وفكرياً، وخلق لغة جديدة تجعل من مستخدمها مشروع خوف دائم، ليصبح مستعداً لتقبل أي شيء يُسكب في رأسه. 
خطف الأطفال الكُرد الذي يدخل ضمن سياسة الاتجار بالبشر، والتي يواظب حزب العمال الكُردستاني على ممارستها بشكل ممنهج منذ تأسيسه، حتى يمكن القول بأن الحزب قام على جماجم الأطفال، تحول إلى قضية ـ فضيحة ـ دولية ولم يسمع بعض الكُرد بها بعد، فقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة تقريره قبل أيام حول الأطفال والنزاع المسلح لعام 2019، احتلت سوريا في التقرير المرتبة الثانية بعد الصومال من بين الدول الأسوأ في تجنيد الأطفال، بينما جاءت قوات سوريا الديمقراطية “قسد التي يقودها الجنرال العظيم” في المرتبة الأولى والأسوأ في تجنيد الأطفال في سوريا، بتجنيد 306 طفل، متقدمةً بذلك على زميلتها هيئة تحرير الشام “فرع القاعدة في سوريا التي يقودها الجولاني”، والتي جاءت في المرتبة الثانية بعد “قسد” بتجنيد 245 طفل.
ساهمت الشبكة السورية لحقوق الانسان في ايصال مأساة الأطفال الكُرد إلى الأمم المتحدة، بينما صمتت المنظمات والجمعيات الكُردية المتخصصة في حقوق الانسان؛ عن خطف وتجنيد الأطفال الكُرد الذي يقوم به حزب العمال الكُردستاني على مرأى ومسمع الجميع، لتؤكد تلك المنظمات الشديدة الانسانية والاحساس، بأنها بصمتها ليست غير جديرة بحمل لقب الانسانية والحقوق فحسب، بل هي مثلها مثل “الإعلام الكُردي” المخزي، متواطئة مع الحزب وجزء من وسائل تلميعه.
تُرى، ماذا سيرد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تجنيد الأطفال لعام 2020؟ أعتقد مع عمليات الخطف الأخيرة التي نفذها حزب العمال الكُردستاني بحق الأطفال الكُرد، لن تكتفي قوات سوريا الديمقراطية بالحصول على المركز الأول على مستوى سوريا هذه المرة، بل ستنال بطولة العالم في خطف الأطفال وستترك الصومال خلفها بمسافة بعيدة، بحيث سيجد الكُرد أخيراً ما سيفتخرون به في سجل هذه القوات، بعد بطولاتها في عفرين وسري كانيه/رأس العين وتل أبيض.
وسؤالين أخيرين على الهامش: ما هي علاقة حزب العمال الكُردستاني، حزب خطف الأطفال بالكتاب حتى يقيم معرضاً له، وما هو نصيب المجلس الوطني الكُردي من غنيمة الأطفال المخطوفين، بعد التوصل لوحدة الصف الكُردي مع حزب العمال الكُردستاني؟   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…