ترامب السكران والمريض أردوغان

 د. ولات ح محمد 
 
    يبدو أن أردوغان قد أقنع ترامب بعد محاولات حثيثة بأن كلاً منهما يحتاج إلى هذه الحرب في الشمال السوري: ترامب بقرار الانسحاب سيقول لناخبيه (والانتخابات على الأبواب) ها قد قضيت على الإرهاب وسأعيد جنودنا إلى الوطن كما وعدتكم في حملتي الانتخابية. وهو تماماً ما قاله عند إعلان قرار الانسحاب. كما أنه يواجه حملة من الديمقراطيين لمحاكمته وعزله بسبب جلبه لتدخلات خارجية للتأثير في الانتخابات الأمريكية لصالحه ضد خصومه الديمقراطيين. وهو بهذا القرار سيوجه أنظار الداخل الأمريكي عن مشاكله وفضائحه إلى الانشغال بمسألة التدخل التركي وقراره المشؤوم. 
    أردوغان من جهته يواجه ضغوطاً أكبر مما يتعرض له ترامب؛ فالاقتصاد منهار والمواطن متململ من صراعات أردوغان وصرخاته وتهديداته التي لا ينفذها وحروبه العبثية. حزبه يتفكك والرفاق القدماء ينشقون عن حزبه ويؤسسون أحزاباً جديدة لمنافسته وتهديد عرشه وأحلامه المريضة، وقد خسر لأول مرة بلديتي أنقرة وإسطنبول، الأمر الذي يمهد لهزيمته مستقبلاً. في ظل كل هذا يحتاج أردوغان إلى نصر وهمي يحققه جيشه العرمرم ولو على حساب الكورد العزل لإثارة المشاعر القومية التركية وكسب الشارع التركي وتوحيد الأتراك حول مسألة أمن قومي مصيري لم يتوقف عن ترديده على أسماعهم.
    من أجل محاربة النظام لم يوحد أردوغان مرتزقته على مدى ثماني سنوات من عمر الأزمة السورية التي كان له دور كبير في تأجيجها، ثم بين ليلة وضحاها قام بتوحيدها بكل سهولة ويسر من أجل تحضيرهم لقتل مواطنيهم من الكورد والعرب، مسلمين ومسيحيين الذين هم كلهم حرام عليه وعليهم، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم حسب عقيدته التي يضعها جانباً عند اللزوم. ويبدو أنه من جانب آخر قد أعطى الضوء الأخضر لخلاياه النائمة ليقوموا نيابة عنه بأعمال التفجير وقتل المدنيين وبث الرعب في قلوب الناس ليدفعوهم إلى مغادرة مدنهم وقراهم لكي يأتي أردوغان وعصاباته لاستلامها خاوية على عروشها، وله في عفرين شر مثال.
    يظن قاتل الأطفال أردوغان أنه سيحقق نصراً وهمياً يضحك به على شعبه وعلى بعض مرتزقته لفترة قصيرة وينفش به ريش المنتصر (وهو المهزوم على كل الأصعدة في داخله التركي وفي علاقاته مع محيطه)، وأنه سيستغل نصره الموهوم هذا ويدعو إلى انتخابات مبكرة لينقذ مستقبله السياسي ويقطع الطريق على معارضيه الذين تقدموا عليه مؤخراً. ولكنه سيكتشف قريباً أنه قد ارتكب بفعلته هذه خطأ لم يرتكبه في كل حياته السياسية، وأن الكحل الذي كان يريد أن يجمّل به عيونه قد أعماه إلى الأبد.
    أردوغان المريض بالكورد دخل أرضاً محرمة عليه لأسباب اختلقها وكررها وكذب بها على شعبه وعلى بعض السوريين وعلى نفسه حتى صدقها وصدقوه. أردوغان المريض ظل يلعق حذاء ترامب السكران (في قراراته) لمدة عامين لكي يحصل منه على إذن بقتل الكورد. ولكن يبدو أن أردوغان بلع العظْمة ولم يعمل حساباً لكيفية خروجها فيما بعد. هذا المتخلف المنبوذ إقليمياً ودولياً الذي يعمل بعقلية رئيس عصابة لا يعلم أنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة وأن اقتحامه عنوة أرض الكورد سيفتح لهم أبواب العالم التي كانت موصدة في وجوههم حتى الآن، العالم الذي أدان جريمته بشدة ولن يقف متفرجاً عليه وهو يكمل جريمته بحق الكورد ومدنهم وقراهم كما فعل في عفرين، بل سيعيد (العالم) هذا المنتفخ المتمرد إلى حجمه الطبيعي قريباً، وسيضعه أمام مرآته ليرى فيها صورة قزم كبّرتْه تلك الدول تحديداً، مرة بمساعدته ومرة بالسكوت عن أفعاله وجرائمه وثالثة بالرضوخ لتهديداته لها وتنفيذها لشروطه على الدوام. 
    سقط أردوغان أو أسقط نفسه من حيث لا يدري أو أسقطه ترامب من حيث يقصد أو لا يقصد. والكابوس الكوردي الذي لازمه في نومه ليالي طوال وظن أنه ذاهب للقضاء عليه سيراه بعينيه وقد تحول إلى حقيقة. أردوغان سيعض أصابعه حتى القطع ندماً على خطيئته الكبرى، ولاتَ ساعة مندم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمد صالح شلال الشباب هم عماد أي أمة وأساس تطورها وازدهارها، فهم الفئة الأكثر طاقة وحيوية وقدرة على الابتكار والتغيير. يشكل الشباب نسبة كبيرة من المجتمع، ولذلك فإن تمكينهم وإشراكهم في بناء المجتمعات يعد ضرورة حتمية لتحقيق التنمية المستدامة والنهضة الشاملة. إن الدور الذي يلعبه الشباب في المجتمع لا يقتصر على مجال واحد، بل يشمل جميع القطاعات، سواء…

عبدالباقي اليوسف تثير الدعوات التركية المتكررة للمصالحة مع الكورد الكثير من الشكوك والتساؤلات، خاصةً في ظل تاريخ طويل من الصراعات والخلافات. فهل يمكن الوثوق بالنظام التركي عندما يتحدث عن “الأخوة” مع الكورد؟ وهل هذه الدعوات تعبر عن نوايا صادقة أم أنها مجرد تكتيك سياسي لتحقيق أهداف أخرى؟ يثبت التاريخ الحديث أن النظرة التركية للكورد غالباً ما تكون مشوبة…

خورشيد شوزي الإعلام، بوصفه السلطة الرابعة (كما يسميه البعض) في المجتمعات الحديثة، لم يكن يوماً مجرد ناقل للأخبار، بل هو فضاء مفتوح تتقاطع فيه الحقائق مع المصالح، وتنصهر فيه الموضوعية مع التوجهات السياسية والأيديولوجية. في عالم مثالي، يُفترض أن يكون الإعلام حارساً للحقيقة، يضيء زواياها المظلمة، ويكشف زيف الادعاءات والتضليل. لكنه، في كثير من الأحيان، يتحول إلى أداة…

د. محمود عباس لا يمكن النظر إلى التحشيد العربي والإسلامي في دعم القضية الفلسطينية خارج هذا السياق، فكلما ازداد الخطاب العدائي ضد إسرائيل، ازداد بالمقابل دعم الولايات المتحدة وأوروبا لإسرائيل، وتحول الصراع من فلسطيني-إسرائيلي إلى صراع بين الغرب من جهة والدول العربية والإسلامية من جهة أخرى. فبدل أن يكون هناك صراع سياسي يتمحور حول إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، بات…