تفكيك أسئلة البعثيين الكورد

فرمان بونجق
إذاً ما الذي يدفع كوردياً لأن يتنكر لأمته وقوميته وأهله الذي هو منهم جذراً وفرعاً؟. ما سرّ ذاك الدافع المختبئ عميقاً، لاستبعاث واستنهاض قومية أخرى غير قوميته؟. وفي المحصلة وكمساهمة تفضي إلى تلك الكارثة العظمى آنيّاً وتاريخيّاً، شخصياً وجمعيّاً؟. أيُعقل أن يصفها البعض بالحدث العابر واللّامُهم في سياق موجة التبرير التي أتفق على تسميتها “المصلحة”، والتي اجتاحت بعضهم زمانياً ومكانياً، وفي لحظةٍ معلّقةٍ من لحظات التاريخ، التي افتقدت الديناميّة الضرورية للتطور التاريخي، وفي جزئه السببي تحديداً؟. تلكم أسئلةٌ تتسم بالإشكالية، ولا مناصّ من اقتحامها وتفكيكها، بقصد الكشف عن أسرارها، ومن ثم الإجابة عليها.
أرى أنني ـ ومن المفيد للغاية ـ أن أستند واقتباساً إلى مقتطف من مداخلة الصديق الباحث عبد الله النجّار، حول مقالتي الثانية من الثلاثية التي تعرضّت من خلالها لظاهرة البعثين الكورد، والرجل ـ وعلى أية حال ـ ذو اطلاع واسع على هذه القضية، وقد استطاع أن يدلوَ بدلوه بطريقةٍ تتسم بالسلالة والمنطقيّة، إذ يقول:
“اعتقد ان البعثيين الكرد باستثناء قلة قليلة منهم شأنهم شأن غالبية السوريين أجبروا على الانتساب إلى حزب البعث لإيجاد وظيفة او فرصة عمل لتأمين قوتهم، وهذا ليس دفاعاً عنهم بل هو تصوير للواقع، والدليل انه على سبيل المثال في انتخابات مجلس الشعب المزعوم عام ألفين وإثني عشر، أنه في عامودا على سبيل المثال التي فيها أكثر من خمسة آلاف بعثي لم تتجاوز أعداد المشاركين الألف شخص، غالبيتهم من المكلفين بالصناديق والموظفين الذين خافوا على لقمة عيشهم، فأين كان البعثيون؟ أما بالنسبة لاختراق المجتمع الكردي اجتماعيا وسياسياً فلا شك أنهم يشكلون إحدى الادوات ولكنهم ليسوا الاداة الوحيدة، بل هم الأقل فاعلية في هذا المجال، وخاصة في الناحية السياسية لأن الاحزاب الكردية كانت تعرفهم وتبعدهم عنها او تبتعد عنهم، والآلية التي تم بها اختراق المجتمع الكردي هي ذاتها التي تم بها اختراق المجتمع السوري عبر الانتهازيين وأصحاب المصالح الاقتصادية، والوجهاء المصنّعين، إلخ..” 
تتضح هنا الكثير من الدلالات، التي تؤكد زعمي بأن البعثيين الكورد كانوا يحتلون مواقع هامشية، من شأن هذه المواقع التكفل بتشغيلهم في أعمال اختراق المجتمع، وجمع المعلومات، وكتابة التقارير على أساسها، مما كان يلحق الأذى والألَم وبأشكال مختلفة بالكورد، فًرادى وتجمعات. كما أن ضخامة العدد المستقطب من هؤلاء يشي بمحاولة إسباغ رداء الوطنية على حزب البعث، باعتباره يضم بين صفوفه إثنيات أخرى، مع عدم إغفال أن بعض هذه الإثنيات كانت تستحسن حالة التعريب التي كانت قائمة على قدم وساق. أما فيما يتعلق بموقف الكورد كنخب ثقافية وسياسية، أو حتى فعاليات اجتماعية، فعلى ما يبدو أنهم جميعا كانوا ينبذون هذه الشريحة، ويحتقرونهم على الغالب، ومن هنا ظهرت تسمية “بعسيكو” كشكل من أشكال الدلالة على توصيفهم بالحُطَيئيين، واللغة الكوردية متخمة بهذه المفردات التي تشير إلى ما تشير إليه. أمّا وأنني قد طرحتُ مسألة تبرير العملية برمتها، واختزالها تحت يافطة لقمة العيش، أو المصلحة، فتلك المسألة تحتاج الكثير من التدقيق والبحث، ولكنني في الوقت عينه بتُّ على قناعة مطلقة أن المزاج الشعبي الكوردي العام، لم يعد يستسيغ مثل هكذا تبريرات غوغائية على حساب كينونة الكورد ووجودهم التاريخي. إلاّ أنني أتفق كليّا مع توصيف البعثيين الكورد بالفئة الانتهازية المارقة، ولا أؤمن كثيرا بمقولة أنّ البعث كحزب قد انتهج سياسة الإكراه والإجبار في عملية استقطاب وتنسيب أعضائه، وإنّما الكثير الكثير من الأخوة العرب كانوا يتهافتون إلى الانضمام لصفوف البعث، وفي هذا المقام، فإنني أحترم رغبة هؤلاء بصفتهم عرب القومية، وقد وجدوا سبيلا للتفاعل مع حسِّهم القومي من الجانب السياسي على الأقل، إلا أن انجراف الحزب نحو الدكتاتورية خلق حالة النفور لدى النخب العربية والانكفاء إلى حين إيجاد البديل، مما خلق مشهدا مثخناً من التناقضات والصراعات، أودت بحياة بضع آلاف من العرب البعثيين، سجناً ، واغتيالاً، وسحقا في المعتقلات الرهيبة. بقيَ أن أشير في هذه الجزئية إلى أولئك البعثيين المنتفضين إبّان ثورة الشعب السوري، وتمردّهم على قيادات البعث، عبر انشقاقات معلنة وضعتهم وعائلاتهم في دائرة الخطر، إلاّ أن هذه العملية برمتها كانت بدافع صحوة الضمير، وقد صنعت هذه الصحوة أبطالاً، سيفتخر السوريون بمآثرهم طويلاً، ولا أَدلّ على ذلك أكثر وأبلغ من انشقاقات الضباط الأحرار الذين رفضوا الانصياع للعبودية داخل الحزب، وجيش الحزب، وانحازوا وبالمطلق إلى صفوف الجماهير الثائرة ضد الطغيان، وهكذا فعل العديد من الضباط الكورد أيضاً، ودلالتي على هذه الحالة، الضباط الكورد الثمانية الذين تم إخفاءهم قسريا من طرف استخبارات الميليشيا التابعة لـ ( ب ي د )، والكثيرون أيضاً على الجانب الآخر لم يفعلوا، وأنا هنا أبقيهم ضمن دائرة الاتهام. بقيَ أن أقول: مهما كانت الاجتهادات عبر التحليل للإجابة عن هذه الأسئلة، ستبقى هذه الاجتهادات منقوصة النتائج، ما لم يتفاعل أصحاب الشأن مع القضية، والإدلاء بما يختبئ عميقاً في دواخلهم، وباعتبار الكشف عنها يأخذ شكلاً من أشكال التعبير عن الندم، ومُتَرجماً إلى اعتذار. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…