عبد الرحمن آلوجي مدخل:
سبق أن وقفنا – من خلال أدبيات الحزب – على تحديات الفكر الكوردي المعاصر في ثلاثين حلقة نشرت في الجريدة المركزية الشهرية للحزب تباعا , كما درسنا المنطلقات النظرية وثوابت البارتي , في النشرة الدورية المذكورة في حلقات عديدة وطرحت على صفحات الأنترنت والصحف الكوردستانية اثنتان وعشرين حلقة في موضوع أساسي عنوانه : (شذرات في الفكر الكوردي المعاصر),
وكل ما ينجم عن كل ذلك من ردود في الأفعال معاكسة ومعادية وموجهة إلى الآخر في عملية تبادلية ، يقع الإنسان ضحيتها وهو لا يكاد يجتاز هذه المحنة إلا ليجد نفسه في محنة مركبة أشد هولا ، وأقسى وقعاً ، وهو ما يحدث في كثير من المجتمعات والدول ، وعلى مستوى الأفراد، مما يولد قيم الجريمة وأسباب وعوامل التناحر والاقتتال ، ويجر إلى ثارات وحروب طاحنة ، تضاعف آلام البشرية في الفقر والكوارث والنكبات والآثار الطبيعية المدمرة في الزلازل والأعاصير والبراكين والتلوث البيئي والاحتباس الحراري ، إضافة إلى الكوارث المصنوعة والتي يتدخل الإنسان في التهيئة لها ، وتوفير عوامل الانفجار والتدمير والدفع باتجاه خطر الكارثة الإنسانية النووية والكيماوية والجرثومية ، في سباق محموم نحو التسلح بأسلحة الدمار الشامل والتسابق إليها ، وما تشكل من التهديد لكل منجزات الحضارة الإنسانية ، والتراث العلمي والتكنولوجي بخطر ماحق يمكن أن يرد البشرية إلى القرون البدائية الأولى ، أو يزيلها من الوجود ..
الأمر الذي يدفعنا ويؤكد يقيننا بالتوجه إلى مزيد من التعقل والحكمة والتأمل لوقاية البشرية من الأخطار والشرور المحدقة , والتي لابد من تحصين العقل الإنساني , والفكر والمنهج العلمي , عبر لغة هادئة , تعتمد الحوار , وتعطيه تألقه وعمقه وقوّة البادرة فيه , وسرعة الانتقال إليه , وتمرين النفس والعقل لتلقيه بمرونة بالغة وحكمة واضحة , ومنهج سليم , لتغليبه على كل عوامل التوتر والاحتقان والتراكم , والفكر القمعي , والرؤية الاستئصالية , ومحاولة الإقناع بالقوة , بدل اللجوء إلى قوّة الإقناع , وجمال المنطق , وروعة الفكر الإنساني , وهو ينسرب هادئاً في الأعماق , مقنعاً , جميل المأخذ , مشرق الأداء , واضح المنسرب , دقيق المسلك , وهو يتخذ لبوساً علمياً منهجياً , سليم التوجه , سديد الهدف , واضحاً لالبس فيه ولاتشابك ولا تعقيد ..
لقد كان لنا أن نطرح قيمنا وآراءنا و توجهاتنا المنهجية , وأن ندل على مصادر فكرنا , وطريقة توجهنا , ودقة رؤانا , ونحن نحدد – في البارتي – القيم الأخلاقية , والروابط القيمية العليا , والخط المنهجي التصاعدي , والمرونة الحركية في التجدد , وفق الثوابت والمنطلقات الأولى , التي تحددّ القوام الفكري النظري , والمنطلقات الأساسية في الفكر والتكون والارتقاء , وسبل تطوير هذه الأداة المعرفية , لتكون المنطق لحياة ورؤية وموقف يتجدد , ولا يكاد يقف على أرضية جامدة , فالفكر الإنساني , وقواعد العمل السلوكي المنبثق عنه , ومجالات الاجتهاد فيهما , والمستند العلمي ” مصدراً , ومنطلقاً ورؤية واضحة ..” تحدد الفكر , وترسم منهج العمل , وترقى بهما إلى الحيوية والتجدد والانطلاق , وهو ما رسم من خلال حلقات منشورة في معظم أدبيات الحزب , والمواقع الإلكترونية في الشبكة العالمية /الأنترنيت / وما كان من تعميم يمكن أن يغتني بمزيد من الملاحظة والنقد والدرس ومتابعة كل بحث , وهو ما كان يحدث بين الحين والآخر من (قواعد النقد المنهجي) , والملاحظات النقدية التي تراكمت عبر حلقات , يمكن الرجوع إليها أيضاً , لتقع تحت الفحص والتأمل والدرس , وتوصل إلى مجمل آراء نقدية متطورة , تشكل الركيزة الثانية في القواعد النظرية والأخرى المنهجية لفكر البارتي ومصادره , ورؤيته القومية الإنسانية وتصوره في موازين الفكر العالمي , والقيم المساندة لأي توجه يفترض فيه ألا يكون معزولاً , ومحاطاً بأسيجة إقليمية أو محلية , لأن ّ الفكر الإنساني بما يحمل من شمول الطرح , وعموم النظرة , على جانب الخصوصية التراثية والقومية , من شأنه أن يعلو ويسمو ويرتقي بمقدار ما يحطّم الحواجز الصنيعة , والرؤى المحدودة , والفكر القومي الساذج والسطحي والمتقوقع , وهو ما حذرنا منه , وشدّدنا التفكير عليه , وخاصة في الممارسة النقدية , كان ذلك عبر سلسلة من المقالات والأبحاث حول الفرق بين المفهوم القومي القائم على العنصرية وإلغاء الآخر , والواجهة البدائية لهما , والفكر القومي ذي البعد الإنساني , والرأي الحر والتلاقي مع فلسفة الحضارة الإنسانية , ومدى تكاملها , وتداخلها , وتواؤمها مع الرؤية الإنسانية والمدنية الشاملة , وهو ما ركزنا عليه , وأثرناه في جملة ردود واضحة أبرزها بحث (حزمة من العنصريين ..)
وهو ما سوف نعالجه بالتفصيل في الأبحاث اللاحقة , وبرؤية منهجية علمية ونقدية ..
وقد قدم في هذا الإطار التقرير العام الشامل إلى مؤتمرنا العاشر الذي نظر فيه بعمق وعدّله وأضاف إليه , وجعله أحد الركائز الأساسية في فكر البارتي ودستوره ورؤيته الحضارية والعلمية إلى الحدث , مما يمكن الاقتباس من فقراته والإشارة إلى أبرز قواعده الفكرية , في الأبحاث والدراسات اللاحقة والتي سوف تأتي تباعاً ..






