استلم الكُرد بالجملة وباعهم بالمفرق

حسين جلبي
يحاول حزب العمال الكُردستاني هذه الأيام، ركوب موجة الإتفاق الأمريكي التركي حول المنطقة الآمنة، والإدعاء بأنه جزء من هذا الإتفاق الثنائي، والقول بأنه ـ أي الإتفاق ـ هو حصيلة تفاهمات ثلاثية بينه وبين طرفيه الحقيقيين. وبناءً على ذلك، حمل الحزب معاوله وراح يدمر الأنفاق والخنادق والتحصينات؛ التي حفرها على الحدود التركية لمواجهة هجوم تركي محتمل كما كان يقول، وفوق ذلك سحب مسلحيه إلى خارج ما كان يطلق عليه “روجآفا” يوماً، وقد قال بأنه حررها من نظام الأسد، معبداً بذلك الطريق للدوريات التركية الأمريكية؛ للدخول إلى ما تبقى من المناطق الكُردية السورية.
يهلل الحزب الآبوجي للمنطقة الآمنة إذاً، ويصر على القول بأنها بشكلها المطروح حالياً، إنما هي رغبته أصلاً، يحققها له الأتراك والأمريكيون معاً، ويبذل الحزب جهوداً لإبراز نفسه جزءاً من عملية جاهدت تركيا أصلاً من أجلها، وتحقق لها دون شك فوائد جمة، خاصةً لجهة قيامها على أساس؛ إبعاد الحزب ومسلحيه من المنطقة وتفريغها من أسلحته، علاوة على فتح الباب واسعاً لتغييرات ديمغرافية لا شك قادمة. ومع أنه ليس واضحاً الفائدة التي سيجنيها الكُرد من العملية، والذين جعلتهم سياسات حزب العمال الكُردستاني في أضعف حالاتهم، بحيث لم يعد لهم رأيٌ ذي قيمة في تقرير مصيرهم، فإن الحزب نفسه، الذي يبدو وكأنه يلعب دور الدليل للأتراك، يفقد من خلال ما يجري كثيراً من عوامل القوة، ويسقط بنفسه الشعارات التي برر بها وجوده، وخاصةً تلك التي تقوم على عدائه المزمن للأتراك، وخوضه مقاومةً مزعومة ضدهم في عفرين.
في الواقع، يذكرني إعلان الحزب الآبوجي الإنسحاب من منطقة سريه كانيه، كمرحلة أولى في سلسلة إنسحابات مقبلة، هي في الواقع عبارة عن عملية طرد من المنطقة وإنهاء لدوره، بإعلان القيادي في حزب العمال الكُردستاني قريلان قبل سنين، الإنسحاب مما أسماه “الأراضي التركية” التي يسميها الكُرد “كُردستان الشمالية أو شمالي كُردستان”، ليسقط بذلك ذلك المصطلح من أدبياته ويشطب على المنطقة التي قام على أساس تحريرها وتوحيدها من أهدافه، وهو ما سبق له وأن فعله الحزب في سوريا، عندما تجاهل التسميات القومية التي يطلقها الكُرد على مناطقهم، لا بل ألغى مصطلح “روجآفا” المتواضع الذي أطلقه بنفسه عليها، حيث أصبح يسمي المنطقة مؤخراً “الشمال السوري”، ويطلق على سكانها تسمية “شعب الشمال”، بحيث شطب على كل شيء يدل على الكُرد ووجودهم فيها، وهو الأمر الذي يرضي كثيرين، من ضمنهم نظام الأسد الذي لم يتوقف الحزب عن مغازلته، ودعوته إلى إعادة استلام المنطقة التي سلمها لها.
تشكل المنطقة التركية الآمنة وتداعيتها دليلاً واضحاً؛ على قرب إنتهاء دور حزب العمال الكُردستاني في سوريا، وإجماع مختلف القوى الفاعلة على إنهاء ذلك الدور الذي أخذ يفقد أهميته؛ مع إنتهاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وبعد هزيمته في عفرين وخسارته لواحدة من أهم مناطق نفوذه، وبعد وقوف نظام الأسد على قدميه ثانيةً، وإستعادته السيطرة على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة. ويبدو بأن الحزب قد استوعب هذه المعادلة جيداً، وهو يحاول لذلك أن يتعامل معها بهدوء، في محاولة لإمتصاص الصدمات الكثيرة التي تأتيه من كل الجهات، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مكاسب، حققها لنفسه بدماء كُردية عزيزة.
في هذا الشأن، قد لا يكون بقي لحزب العمال الكُردستاني سوى سيناريو “مخيمات الشهباء”، عندما أخرج عشرات الآلاف من أهالي عفرين ليلة انسحابه من المدينة، واسكنهم في مخيمات قسرية بعيدة تحت سيطرة نظام الأسد، وراح يستعملهم حتى اللحظة خزاناً بشرياً. إذ ليس مستبعداً قيام الحزب بتنفيذ مثل هذا السيناريو، وهو على طريق إنهاء نفوذه فيما تبقى من مناطق كُردية، من خلال نقل بعض الكُرد واسكانهم على خطٍ رفيع؛ بين مناطق سيطرة النظام والمنطقة الآمنة التركية. وهنا يبقى السؤال، فيما إذا كان الكُرد قد أدركوا أخيراً، بأن حزب العمال الكُردستاني، الذي انسحب أمام الجميع وركع للجميع باستثناء الكُرد، قد استلمهم من نظام الأسد بالجملة، وباعهم بالمفرق، سلماً أو حرباً، لمن دفع له أو لم يدفع؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…