الرجل الناقص في المكان الكامل

إدريس سالم
إن البشرية ترتقي بمواهبها، ونتاجاتها التعليمية والعلمية، فحين تدفن هذه المواهب والعقول والقدرات فإنما تدفن الأوطان وتدفن الإنسانية، فهي تدفن بطريقة وضع الرجل الناقص في المكان الكامل، فلا شكّ أن الكورد يمارسون كلّ شيء من مبدأ العاطفة والهِوَاية، والغريب أن كلّ قوانيننا ومبادئنا الخلاقة وأفكارنا التي لا مثيل لها في الدنيا والآخرة، تؤكّد ليل نهار على مقولة “الرجل المناسب في المكان المناسب” الشهيرة، والتي حفظناها على ظهر قلب وعقل ولسان، كأسمائنا أو شعارات أحزابنا المناضلة وتواريخ ميلاد قادتنا الأفذاذ، والسؤال أين هو الرجل المناسب الذي يقود السفن المجتمعية نحو شواطئ الأمن والاستقرار والتقدّم؟
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، كرّمت المخابرات الأميركية عميلها الروسي، وكان يشغل منصب وزير الخدمة المدنية في موسكو، فسأله ضابط في المخابرات الروسية: “أنا كنت مسؤولاً عن مراقبتك، لم أجد لك علاقة مع المخابرات الأميركية، ولا تواصلاً، ولا مراسلة، فماذا عملت لها؟ قال: كنت أعيّن كلّ خريج في غير تخصّصه وفي غير مجاله، وأشجّع على ترقية الأغبياء إلى الأعلى، مع دعاية إعلامية لهم، وأحول دون صعود الكفاءات باختراع نقص الشروط، حتى بقي في رأس الدولة الطاعنون في السنّ والأغبياء الجدد، فأصيب الاتحاد السوفيتي بالإفلاس الفكري والتعليمي وسقط! عندما يوكل الأمر إلى غير أهله يكون الانهيار وشيكاً وحتميّاً!”.
أليس ما حدث في الاتحاد السوفيتي يحدث في واقعنا الكوردي، أحزاب ومنظمات الأحزاب، مؤسّسات، وسائل الإعلام، نقابات واتحادات، مدارس، جامعات؟! ألا نتّعظ ممّا حدث لهم؟! والأكثر مرارة هل نحتاج إلى نظرية المؤامرة بأن أمريكا أو روسيا أو تركيا تريد تدميرنا، أم نحن مَن ندمّر أنفسنا؛ بسبب سياسات البعض من أمثال هذا الوزير؟!
إن نموذج وزير الخدمة المدنية الروسي نموذج طاغي في المجتمعات الكوردية، إذ يقوم البعض على ترقية الأغبياء وأشباه المنصفين، فقط لنسبهم ومالهم وصيت أهلهم، ويبتعدون عن توظيف الكفاءات والخبرات، ممّا جعل هذه الكفاءات إما تحاول المشي مع التيار، أو تتراجع إلى الخلف، وتهجّ من وطنها، للبحث عن فرص في البلاد التي نعتبرها أعدائنا ومدمّري قضيتنا وسالبي حقوقنا على الأرض ووسائل التواصل الاجتماعي، ليغدو كاتباً أو صحفياً أو سياسياً أو طبيباً أو عالماً، وكلّ خدماته وطاقاته تذهب لتلك البلاد، فالإحباط والشعور بالظلم هو أساس الدمار، فشخص له خبرة (30) عاماً في تخصّص معيّن، ثم يأتي ابن الـ (20) عاماً، من دون خبرة ولا معرفة ويكون رئيسه في العمل! هذه هي الطامّة الكبرى! وهذا تصرّف غير مقبول وله تداعيات خطيرة وكارثية مستقبل الأجيال القادمة “ألا نخجل من أنفسنا؟ أنحن أغبياء أم أذكياء حتى نشجّع على هجرة العقول أو غسيل الأدمغة؟”.
لماذا لا نحاول ونعمل لمَن لديه الكفاءة أو الخبرة من الشباب، أولئك الذين لم يأخذوها بالساهل، ونسلّمه مسؤولية قيادة المجتمع والقضية، كأن يصبح رئيساً لتحرير جريدة أو مديراً لإذاعة مجتمعية أو مدير عام لشبكة تلفزيونية، أو يشغل منصب السكرتير في أحد الأحزاب السياسية، قائداً لقوّة عسكرية، إلا أن هؤلاء لا حظّ لهم؛ لأنّ الوساطة للكسالى والمهملين وذوي النفوذ، ليقف المواطن عاجزاً على الطالبة بإدخال الكفاءات، في زمن يرفض الكفاءة ويقرّب الكسلان المهمل.
فرئيس تحرير الجريدة رجل لا خبرة ولا كفاءة لديه، صار رئيساً، لأن لديه المال والأدوات وباحث عن الأضواء، ومدير الإذاعة إما مدرّس أو ناشط أو تاجر، ومدير عام الشبكة الإعلامية مسؤول سياسي مقرّب من جهة حكومية أو أمنية أو استخباراتية، والسكرتير إما مهندس أو فلاح يعمل في السياسة من باب العاطفة ومبدأ الحماسة، إذاً كلّ شيء في المدن الكوردية في غربي كوردستان بالمقلوب، والمُصلح بات يؤذّن في خرابة.
لِمَ الذي يعلم والذي لا يعلم متساويان في شرقنا؟! هل ينتج الحزب أو المؤسّسة أو حكومة الذين يعلمون أم الذين لا يعلمون؟! لمَ البيروقراطية والفساد والواسطة هي الدعامات التي تقوم عليها مناطقنا ومدننا الكوردية؟ أيتعظ الكورد ليصبحوا من الدول التي تصنع أقمارها الصناعية بأيدي وعقول أبنائها، وتطلقها من أراضيها إلى الفضاء؟ هل في قادم الأيام يكون سكرتير الحزب شخصاً خرّيجاً من كلية العلاقات الدولية، ومدير التلفزيون أو الإذاعة خريجاً من كلية الإعلام، ووزير الثقافة أديب أو روائي أو كاتب؟  
نحن الكورد كعلامات الترقيم، يضعوننا في مواضع غير مناسبة، كفاصلة إعلامية يضعونها في نهاية الجملة “وهل توضع الفاصلة في نهايات الكلام؟”، أو نقطتان ثقافيتان ناقصتان موضوعتان قبل بداية الحديث أو الكلمة، أو استفهام طبي موضوع قبل السؤال، أما السياسي الفاسد والتاجر الماكر يضعونه إما بين قوسين أو تنصيص أو شَرِطتين!
عندما يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ينساب العمل بيُسر، وتزداد الإنتاجية، ويحصل الرضا من المواطن وراحة الضمير من الموظف المتقن لعمله والخائف من عقاب خالقه، ونتيجة لعدم الدقّة في إسناد العمل لمَن هو أهل له، كم من مشروع فشل وأمان لم تتحقق؟ ويبقى السؤال هل العرب عامة والكورد خاصة ماضون في وضع الرجل الناقص في المكان الكامل؟!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود إذا أردتم يا أخوة المصير المشترك في المكان المشترك في المئوية السنوية الأولى لمدينتكم أو مدينتنا المشتركة قامشلو/ قامشلي، ولو من باب الوفاء لهذه المدينة ذات الوجوه الأثيرة واللغات الأثيرة والمقامات الأثيرة المشتركة، فيمكن ذلك من خلال التالي: -ثبّتوا لوحة جدارية مضاءة من الداخل على مداخلها الثلاثة، وهي تحمل التلوينات التالي المشيرة إلى أحيائها: حي الزهراء، المعروف باسم…

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…