الكورد في الانشقاق العظيم

جان كورد
الكورد في غرب كوردستان منشقون على بعضهم بعضا، أحزاباً وجمعيات ومجالس وسياسات وعقائد، بصورةٍ تذكرنا بأيام العشائر المتحاربة في عصر الحروب العثمانية- الصفوية قبل قرونٍ عديدة من الآن، وانشقاقهم رغم تلوينه بدهاناتٍ سياسية، تظل من حيث عدوانيتها “شخصية”، كما كان آغاوات الكورد يفتكون ببعضهم من أجل سلطةٍ أو أراضٍ أو مناصبَ أو للثأر والانتقام. وليس هناك لدى هذا الشعب القوة الكافية الضاربة لتجمع بدل التفرّق، والذي لديه القوة خاضع لسياساتٍ وتحالفاتٍ وجهاتٍ غير كوردية، فهل هناك أعظم من هذا الانشقاق الرهيب المدمّر الذي فقدنا أثناءه منطقة عفرين (جبل الكورد – كورداغ) بعد أن دمّر لنا الأوغاد مدينة كوباني وقضوا على العمران، وأصبح نصف شعبنا في المهاجر والمخيمات، وصار المجرمون يقطعون أشجار زيتوننا وينهبون كل ما هو ذا قيمة من ممتلكات وآلات ومحاصيل ومنافع لشعبنا، فلا ضمير يردعهم ولا خوف لهم من الله تعالى، وكأن الكورد المغلوبين على أمرهم بسبب هذا الانشقاق العظيم يعيشون مرحلة الهجمات التتارية والمغولية والسلجوقية والطورانية أو مرحلة الغزوات الصليبية المدمّرة. 
ولا أدري إلى متى سيستمر هذا الغباء العام الذي بسببه أضعنا الأرض والشعب والثروات وتحول في ظله غرب كوردستان إلى مغنمٍ للآخرين ومغرمٍ لنا نحن الأصحاب الشرعيين لهذا الجزء من وطننا الممزّق.
أتعجّب لحال بعض الزعماء السياسيين من الكورد الذين يسعون لإظهار انتصاراتهم الهزلية في الساحة، وكأنهم لا يرون المأساة التي فقد فيها شعبنا أسباب الحياة الكريمة، فيعتبرون لقاءاتهم مع مسؤولٍ لدولةٍ من الدول إحرازاً لنصرٍ ساحق على منافسيم في الاحزاب  الأخرى، أو أن ظهورهم على شاشات التلفزيون تعوّض شعبنا المفجوع عما فقده من أبنائه وبناته وثرواته، بل ومساكنه وأرضه، ولا أفهم كيف يستطيع الفلسطيني المقاومة من أجل حقه بالحجارة في ظروفٍ صعبة حقاً ضد قوى دولةٍ قوية، وكل أحزابنا الكوردية لا تقوى على تنظيم تظاهرة مشتركة في عالم الحرية والديموقراطية من أجل هذا الشعب الذي يستهدف المحتلون وجوده، كما لا تتحرّك الجماهير التي فقدت ثقتها بهذه الاحزاب من أجل الدفاع عن نفسها، فهل الكورد الذين كانوا “قرون الحديد وذوي البأس الشديد” تحولوا إلى قطيعٍ من اليائسين المرتعدين في ظل الاحتلال وخوفاً من الإرهاب، أم أن كل ما يجري على الساحة الكوردية مؤامرة كبرى بعض أزلامها ساساتنا وزعماؤنا الذين يسعون لإقناع الجماهير بأن الموت قي ذلٍ ومهانة أفضل لها من التمرّد والمقاومة في وجه الذين يسلبونها كل شيء، حتى الكرامة.
التعددية الحزبية وكثرة الجمعيات وتباين المجالس أمر صحي وجيد، في كل المجتمعات، وهذه خطوات على طريق الديموقراطية، ولكن بشرط أن يبقى هذا في حدود ونطاق المعقول، لا أن يكون لشعبنا الصغير في غرب كوردستان عشرات الاحزاب التي تتماثل في برامجها واهدافها وبناها التنظيمية وممارساتها المتشابهة، ولا أن يكون لنا جمعيات ذات أعدادٍ كبيرة تظل كلها ضعيفة بائسة من كل النواحي المالية والبنيوية والتطلعات والهيئات الادارية، أو تكون لنا مجالس عديدة وهي أضعف من أن تقوم بأي عمل منتج ودون أن تتشارك في فعاليات ونشاطات ضرورية تفيد شعبنا في إحدى أخطر المراحل التاريخية له.
فما العمل في هذا الوضع؟
برأيي، أن يأتي الضغط من الشعب ذاته على القيادات والامارات المتحاربة في حياتنا السياسية فترغم التنظيمات على التوحد  تنظيمياً لتقوى سياسياً وتضع حداً للذين يسعون لخلق تنظيماتٍ جديدة وعدم التصفيق للمنشقين والمنشقات التنظيمية في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخنا المعاصر، حيث الأعداء متربصون بنا من كل جهة ومتحدون ومتوافقون على اجهاض حراكنا السياسي- الثقافي وتحطيم كل قوانا وارغامنا على التخلي عن تطلعات شعبنا وحقه السليب في الحرية والحياة الكريمة. والعودة إلى الشعب، يعني إقامة النشاطات الجماهيرية باستمرار، في الداخل والخارج، وذلك بشكلٍ سلمي ديموقراطي حسب الظروف المتاحة وعلى كل الساحات حتى يشعر الزعماء وأتباعهم الذين كالببغاوات بأن الشعب الذي يتحدثون باسمه ويزعمون أنهم يمثلونه لا ولن يقبل كل ما يقومون به من أفعالٍ انشطارية وتصفيةٍ لوحدة شعبهم، فإن لم تتحرّك الجماهير الكوردية فإن الانشقاق العظيم سيبتلعنا جميعاً ولن يبقى شيء اسمه الحركة الوطنية الكوردية، وأعتقد أن كثيرين من زعمائنا يسيرون على هذا المسار الخاطىء عن علم أو جهل بخطوىة ما يقومون به  من خلال تحزبهم وسوء تصرفاتهم وممارساتهم. ومن المهم أن يرفض الناشطون رسائل ومبعوثي وبرقيات أي تنظيم سياسي كان، حتى ولو كان تأييداً لهم، طالما لا يستطيع التنظيم جمع عشرة أعضاءٍ من رفاقه في تظاهرة أو سيمينار، فكيف يكون الحزب حزباً وهو أقل عدداً من فراخ دجاجة…؟
لقد بلغ السيل الزبى والنشاطات الجادة ليست بحاجة إلى تأييد هيئاتٍ وأحزابٍ وتنظيماتٍ ليس لها وجود فعلي وحقيقي في ساحة النضال.
تذكرت وأنا أكتب هذه السطور أنه في أمريكا اللاتينية يرمون بسراقي أموال الشعب في حاويات الزبالة، حتى ولو كانوا وزراءً، وأن بعض الحكومات العتيدة في أوروبا والمنتخبة من قبل الشعب تستقبل لأن ثمة خللٍ في برنامجها الحكومي، ورأينا كيف يحرق وزير الاسكان المنغولي نفسه أمام كاميرات التلفزيون لأنه وعد الشعب ببناء 100.000 وحدة سكنية فبنى منها 70.000، فقلت في نفسي: هل سرقة أموال الشعوب أو عدم القدرة على تحقيق وعد أخطر من سرقة مسؤولية القيادة لشعبٍ يتعرّض للابادة أو التهجير والتقتيل ونهب ثرواته

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…