تدشين معركة إدلب

إدريس سالم
أمريكا، لن تعترف بمشاريع الإدارة الذاتية، التي تتميّز بالطابع الوطني السوري، باعتبارها إحدى محمياتها في شرق الفرات، ولن تجهد نفسها في تحرير عفرين، أو إحياء مشروع المجلس الوطني الكوردي – الهشّ والمتآكل من دودة التحزّب – سياسياً وعسكرياً، إن تصالحت مع تركيا، إذاً فأيّ انتصار أو انتعاش عسكري للنظام السوري يعني مزيداً من التحدّيات والصعوبات والكوارث على القضية الكوردية في غربي كوردستان، خاصة إذا ربطت أمريكا وجودها في شرق الفرات بمحاربة داعش فقط، إذاً فالحقيقة الواقعية هي أن الحركة الكوردية ستعود إلى العمل السرّي، وستفقد الثقة من الشعب. 
لقد رفض النظام السوري مشاركة الشعب في السلطة والحكم، وعارض تقاسم الخيرات والثروات معه، ولكنه استدعى إيران وروسيا وكل جرذان الأرض لحكم سوريا، مقابل أن يبقى حاكماً قويّاً، يهابه الخصم والحليف، وتجاهل أنه جلب الدبّ لكرمه، وأطلق مارد التطرّف من عنق فوهات الزنازين، فلم يعد قادراً على إعادته، وخسر شعبه، رغم أن الشعب خرج للتظاهر السلمي، والمطالبة بالإصلاح، وليس بالتغيير.
ممَن ستتحرّر إدلب؛ من تركيا أم جبهة النصرة أم الجيش الحرّ أم من داعش؟ ليس من مصلحة المعارضة السورية – المتأسلمة والدموية – أن يحقّق الروس والإيرانيون والنظام انتصارات عسكرية أخرى، التي من المؤكّد أنها ستقوّي وتعزّز من هيمنة وثبات الأسد وبقاءه في السلطة، في ظلّ المحاولة الأمريكية الرامية إلى تعطيل معركة إدلب، عبر تهديد وتحذير النظام عسكرياً وإعلامياً، التي هي كلّ الحكاية وآخر الحكاية، بصفتها وليمة فتحت شهية جميع القوى الكبيرة والصغيرة، المتحاربة في أقذر حرب على الأراضي السورية.
هناك حقيقة أخرى، ويجب أن نحسب لها ألف حساب، فالمراقبون والمتابعون للوضع السوري يرتبطون انتهاء الأزمة السورية بنجاح معركة إدلب، إلا أن الواقع يشير إلى أن الأطراف المتصارعة في سوريا لن يطووا صفحة المحرقة السورية الآن، لأن ما زال هناك بنود شائكة بينهم، وخاصة نسبة تقارب الأتراك من الطرفين المتحكّمين على الساحة السورية “أمريكا وروسيا”، ونسبة المحاصصات التي ما زالت لم توضح خطوطها الأساسية بينهما بعد، والأهم الغموض الكبير الذي يلفّ الوضع الكوردي، الذي فشل الساسة الكورد في توضيحه، للشعب الكوردي أولاً، ولمراكز القرار وصانعي السياسات ثانياً.
أردوغان، المرتبك والخائف والعاجز، يرى بأن مربّع آستانة وصل إلى مرحلة مهمّة في سوريا، وأن مصير إدلب مرتبط ليس فقط بسوريا، بل بالاستقرار في تركيا أيضاً، ولعلّ خطابه في قمّة طهران كان موجّهاً إلى بوتين، طالباً منه العمل على ضرورة عدم إشعال المحرقة الإدلبية، ليتقوّى داخلياً على حساب وقوف الشعب معه ضدّ الأمريكان، وأن لا تتبخّر الثقة التي يثق به فصائل المعارضة الإسلامية، لأنه لا زال بحاجتها، ضدّ التطوّرات غير المرغوبة شرق الفرات، وأنها تعكس بشكل مباشر على أمن تركيا، فهل سيلبّي بوتين طلب أردوغان؟!
بوتين، أيضاً متمسّك بأردوغان، ولو مؤقتاً، لتحجيم نفوذ إيران العسكري الراهن والاقتصادي في المستقبل، ولزعزعة تماسك أردوغان بالقوى الغربية منذ عقود، وليبيع له السلاح الثقيل، ويتمم صفقة (S-400)، وينهي علاقته بحلف الشمال الأطلسي وأمريكا على وجه الخصوص، والأهم لتقوية نفوذه في سوريا والشرق الأوسط، ولا مانع لدى بوتين وإدارته في الكرملين، في أن تتحوّل عفرين وإدلب إلى ولايتين تركيتين.
خلاصة القول: 
إن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المهدّدة والمحذّرة عبر تويتر، من مأساة كارثية وهجوم كيماوي متهوّر على إدلب، لن تغيّر من التفاهمات التي أبرمها مربّع آستانة، “موسكو وأنقرة وطهران ودمشق”، وهم سيجتمعون لتدشين المعركة الكبيرة في إدلب، آملين في أنها ستكون النهاية الكبرى والانتصار العظيم. الكل سيفوز، والكل سيأخذ حصته من الحصاد، والخاسر الأول والأخير الشعب، ولا خاسر سوى الشعب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…