عندما تحتضر مدينة هي قامشلي «عن زيارتي الأخيرة إليها ما بين 18 تموز- 19 آب 2018 »

ابراهيم محمود
4- وقامشلي إذ خلَتْ من أهلها :  
ما أكبرها قامشلي، ما أصغرها قامشلو ! تلك هي الصورة المقرَّبة لقامشلو المتحولة إلى قامشلي بأكثر من معنى. إذ لا أسهل من الحديث عن الازدحام السكاني في المدينة التي كانت وجهتها ” الشمال ” لتصبح وجهتها على وقْع هذا التضخم” الجنوب ” كما لو أن هناك من خطط لها خطفاً، وعمل على هذه ” التحويلة ” الصادمة لمقِيمها في الأمس القريب، فينفر منها اليوم وبعده !
في وسع المكاشف للخارطة السكانية للمدينة أن يقابل قامشلو الأمس بقامشلي اليوم، وإن كان يتمتع ببعض من ” نِعَم ” الخيال صحياً، فيستدعي الوجوه ، الألسنة ، واللهجات في الحالتين، من باب الدقة أكثر، ليتعرف على المفارقة الهائلة، وهي ترجّح كفة قامشلي بنسبة لا تقارَن .
أقاويل تتردد، تُهم تتحرك في الاتجاهين وأكثر، عن السبب الكامن وراء هذا الفراغ الأهلي.
تحضر الإيديولوجيا بقوة هنا وهناك أحياناً: من خرجوا كان عليهم البقاء حيث هم، والدفاع عن ” شرفهم ” الأرضي، الاجتماعي والتاريخي، وهذا يعني تجريدهم من هوية الكردية. ومن خرجوا لم يجدوا بداً من الخروج، لأن ما استشعروه لم يترك لديهم خياراً، وقد ضاقوا ذرعاً بلغة الأوامر ومصدّريها وحماتها، وفرض اللغة الواحدة وهي إيديولوجية بالمقابل .
أنا لست في معرض المقارنة أو إقامة محاكمة ارتجالية للقوة الفارضة نفسها على الأرض وطبيعتها وموقعها من ” الحقيقة ” بمقدار ما أشير إلى ” حقيقة ” أخرى لا يمكن لأي عامل إيديولوجي أن ينزع عنها قوتها واقعاً، أي باعتبارها شاهدة عيان على ما يجري تجاهله.
تفصح ” الحقيقة ” هذه، عن أن من غير المجدي اعتبار ” الخارجين ” ” هاربين ” وغير كرد بمقاييس القيّمين على الوضع، وأن من بقوا يمثّلون معيار الكردية، كما أنه ليس في مقدور من ” هربوا ” بجلدهم، اتهام المتبقين جملةً بأنهم مطواعون لممثلي القوة تلك، والافتتان بها .
إنما هو سؤال القوة الناطقة بالكردية، السؤال الذي يطرَح عليها، وهو: كيف يمكن النظر في نسبة عددية، تشكل في مستوى منها قوة نوعية، تجسّد خطورة شاهدة على خلل جار ٍ ؟
لا بد أن يلاحَظ هنا، أن ” ميزان ” القومية الكردية هو المعتمَد في معرض السؤال عن هذا الفراغ الذي لا يتوقف عن الاتساع، ويقرّب صورة مريعة لما يجري ! 
والسؤال هو: ألا يعد نزوح عشرات الألوف من الشباب والشابات، لا بل والعائلات، إلى جهات نائية، ودونما رجعة جرس إنذار ودال على صدع قومي قبل كل شيء؟
أليس اعتماد تهمة ” الخيانة ” في وضع كهذا إساءة إلى الحقيقة عموماً، وحقيقة القائم خصوصاً؟
تبعاً لأي ذهنية يتم التعامل مع المتغيرات الديموغرافية، حيث الوجوه الشابة تكاد تنعدم بنسبة مخيفة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الأحداث؟ أحداث تتحدى المنشغلين بها بالجملة .
أليس التفكير في هذا التنامي/ الحضور العددي لغير الكرد بحيث تضيق به جهات قامشلي قبل غيرها من المدن، ولقامشلي دلالتها طبعاً، أليس هذا التفكير مدعاة لشد حزام البصر والبصيرة للكشف عن أوجه الخلل، وما يتهدد المدينة وهي بصفتها ” كردية “، وقد فارقتها كثيراً ؟
من المؤكد أن وجه المدينة من الناحية الكردية وجه هرم” وجه كوجهي مثلاً “، لأن نسبة كبيرة من الوجوه الشابة قد مضت دونما رجعة، وأن شيخوخة المدينة تعني عجزها ومواتها عاجلاً.
ربما أمكن القول، وكما سمعت من أكثر من جهة، أن أكثر من استفاد من هذه الأزمة، والخلل الديموغرافي هم العرب أنفسهم، ومجرد النظر في الشوارع وفي قلب البلد، والأيدي العاملة الأخرى، يعرّفنا بكل ذلك. فهم لأول مرة في التاريخ، يجدون أنفسهم أمام وفرة مالية لم تكن تتسنى لهم، حيث يعمل أكثر من فرد في العائلة: رجالاً ونساء في المدينة، وبرواتب غير مسبوقة، مقارنة بأكبر راتب ” رسمي/ حكومي “، مقابل الدفع بنسبة كبيرة من القوة الشبابية الكردية: ذكوراً وإناثاً إلى جهات بعيدة: دير الزور، حلب وإدلب، لتدافع عن أرض ليست واقعة في نطاق جغرافيا كردستانية، وأن شهادة أي منهم لا يعتد بها من لدن من تم ويتم الدفاع عنهم هناك، وهي مفارقة أخرى تنصبُّ على كيفية تفسير الوقائع والمفاهيم الموجهة.
الذين خرجوا مقدّرين فداحة ما سيجري، والذين خرجوا اضطراراً مدركين حجم المخاوف، وبؤس الكردية المصرَّفة على الأرض ” المحرَّرة ” من صفتها القومية كردياً، في الوقت الذي يشدَّد عليها في الطرف المقابل، وهذا كرم مجاني وغير محمود العواقب، والذين خرجوا وفي أنفسهم حسرة مما هم عليه، وجوه متفاوتة، لكنها تمكّننا من رؤية قامشلو وهي في وضعية تحت اليد، يد لا تنطق بلغة ” محمد شيخو- شفان- ألينور…الخ “، إنما وهي تردد بأكثر من معنى، وحتى على عتبات الكثير من بيوت عرِفت بكرديتها: الأرض تتكلم عربي..الأرض..الأرض، أي: قامشلي تتكلم عربي..قامشلي …قامشلي ! 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…