العلاقات العراقية التركية مطبات يجب الحذر منها

رضوان العسكري
ان العلاقات الدولية والإقليمية بين الدول، لم تبنى يوماً من الايام على اساس العواطف وجبر الخواطر، وإنما تقوم على اساس المصالح المتبادلة، وهذا الامر طبيعي في حد ذاته، فتكون فيها مصلحة الدولة هي المعيار الاساسي لتلك العلاقات، وغالباً ما تستغل الدول ظروف الدول الاخرى، كأن تكون سياسية او امنية او اقتصادية.
تركيا ومنذ اليوم الاول لسقوط النظام البعث والى يومنا هذا، لم تبدي حسن النوايا مع العراق، مع وجود مصالح اقتصادية متبادلة بين الدولتين، فحجم التبادل التجاري بين البلدين يقدر بـ (عشرة مليار دولار) سنوياً، ناهيك عن الأموال التي تدفع من اجل مرور النفط العراقي من خلال خط (جيهان التركي)، بالإضافة الى القضايا الامنية كنقطة مشتركة بينهما، فالعراق يعاني من الاٍرهاب طيلة الفترة الماضية الذي انتهى بداعش، وتركيا تعتبر (البككة) هم الخطر الرئيسي على أمنها.
العراق بعد (٢٠٠٣) فتح الباب على مصراعيه امام العلاقات الدولية والإقليمية، الا إن الموقف التركي بقي متشنجاً، من خلال تصريحات المسؤولين الاتراك السلبية اتجاه العراق، بالإضافة الى ان تركيا غضت الطرف عن الإرهابيين الداخلين للعراق عبر حدودها، ناهيك عن قطع حصة العراق المائية بصورة مستمرة، الا ان موقف حكومتها الأخير كان الأكثر سلبيه مع العراق، عندما صرح الرئيس التركي “بأن تركيا لن تستقبل اَي مسؤول عراقي حول مسألة المياه”، ولا ننسى التدخل العسكري التركي داخل الاراضي العراقية بحجة حماية أمنها.
تعاني تركيا اليوم من أزمة اقتصادية خانقة، نتيجة تدهور علاقاتها مع أمريكا، مما دعاها للبحث عن مصادر اقتصادية جديدة، وسوقاً لبضائعها المحلية، فاختارت العراق ليكون منفذً لها، لإطلالته على الخليج، كي تنعش اقتصادها من خلاله.
 وعد الرئيس التركي رئيس مجلس الوزراء العراقي، بتحسين العلاقات بين البلدين, والمساهم بإعادة بناء البنى التحتية, واطلاق الحصة المائية, بالمقابل ستفرض على العراق بعض القيود, وستلزمه ببعض الاتفاقيات, لعل ابرزها الحد من علاقاته الدولية الاخرى.
الحكومة العراقية امام اختبار حقيقي في هذه المرحلة، يجب عليه لزاماً النجاح فيه، من خلال وضع القيود في الاتفاقيات والمعاهدات مع تركيا، كي لا تقع في مطب الخداع، وتستغل الوضع التركي المتدهور، من اجل مصالح العراق الذاتية، فتبني علاقاتها على اساس المصالح المتبادلة، وتعيد حساباته جيداً بشأن الخط النفطي العراقي الذي يمر عبر أراضيها، بالإضافة الى الاتفاق معها بعدم السماح للإقليم كردستان بتصدير النفط المهرب عبر وأراضيها، والزامها بحصة العراق المائية، وحماية الحدود العراقية التركية من تسلل عناصر داعش الإرهابية، كما يجب إلزامها يسحب قواتها العسكرية من الاراضي العراقية.
 يجب على العراق عدم اتخاذ تركيا بديلاً عن الدول الاخرى، وتسجيل جميع الاتفاقيات والمعاهدات في الامم المتحدة، كي تكون ضامناً للعراق في حال نكث تركيا مواثيقها.
ما طرحناه من نقاط أعلاه ليست صعبة المنال، لأنها حقوق عراقية بحتة، وليس فيها استغلال حقيقي لظروف تركيا، لأن تركياً لا يمكن ان تلتزم مع العراق بالاتفاقيات المبرمة بينهما، وذلك بسبب ضعف الحكومة العراقية الداخلي، وتفشي الفساد المؤسساتي، والتناحر الطائفي والقومي داخل البلد بين مكوناته، ولا ننسى التدخل الدولي في العراق الذي نجح في تفتيت اللحمة الوطنية، ورسخ فكرة التهميش والاستحواذ على السلطة في اذهان الجميع.
تركيا بمجرد عودة علاقاتها مع أمريكا ودوّل المنطقة، سوف تنكث بالاتفاقيات المنعقدة بينها وبين العراق، لأن تركيا وكما ذكرنا أعلاه لم تبدي حسن النوايا مع العراق منذ البداية، هذا ما يجعلنا نخشى ان تكون تلك العلاقات الجديدة هي مطب للعراق، اذا وقع فيه يصعب عليه النهوض مجدداً، كما سيقيد العراق في علاقاته معها، مما يجعل العراق تحت رحمتها، عليه يجب ان تكون الحكومة العراقية على حذّر دائم، فتبني علاقاتها على اساس المصالح المتبادلة، لا المصالح الاحادية الجانب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…