مجتمعاتنا أعناق البشر للذلّ ممدودة ، وظهورهم للسوط جاهزة ، وعقولهم مجمدة ، ليس لها أي اعتبار ، لا يحق لها طرح الأسئلة وممارسة النقد ، ودورها مختصر على حفظ ما يتم تلقينها من السلطة ، على الإنسان أن يقبل واقعه على أنه أفضل الممكن ، بأنه قضاء لا رادّ له ، فالإنسان عندنا لا يفرق بين القوة والعدل ، القبضة الأمنية قوية ، تخنق الإنسان ، وتعتقل كل من يعترض على النمط المتكلس من الحياة .
الإنسان مهما امتلك من كفاءات ومؤهلات علمية ليس بمقدوره الاستفادة منها وتحقيق المكانة الاجتماعية التي تناسب هذه الكفاءات ، لأن المعيار الأول والأخير في تحديد قيمة الإنسان ومكانته في مجتمعاتنا هو مقدار ما يملكه من قدرة على النفاق والتماهي مع السلطة والتملق لها ، لأن الولاء للسلطة تغني عن الولاء للوطن ، وتغني عن القدرات والمؤهلات ، فمن حق سلطات بلادنا أن تفتخر بأنها صاحبة براءة اختراع في كيفية ترويض وتدجين المواطن ، من خلال قوانين تجعل القمع مبرراً ، والاستثناءات قاعدة ، والظلم عدلاً .
فحق المواطن في التعبير عن رأيه مصادرٌ ، كلّ من يعبر عن رأيه خارج إرادة السلطة مشكوك في وطنيته ، ومرتبط بجهات مشبوهة ، لأنه يقف حجرة عثرة أمام مسيرة ثورة البعث .
المواطن بدوره يتبنى هذا الاتهام فتراه خائفاً خانعاً ، ليس لديه ثقة بنفسه ، يتغلغل الرعب إلى أعماقه ، حتى أصبح الخوف صفة ملازمة له ، أما الشجاعة في إبداء رأي مخالف للسلطة فهي بالنسبة له تهور وتصرف غير عقلاني .
يقارن ياسين الحافظ بين الإنسان في المجتمع الغربي المدني والإنسان في المجتمع الشرقي الاستبدادي ، فيقول (( في الغرب كنت أذهل عندما أرى قوة الفرد وجرأته ، وثقته بنفسه ، وتحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف ، هناك الفرد ديك ، وهنا الفرد دودة ، هناك حبل سرة الإنسان موصولة بالألوهة ، وهنا حبله مقطوع بتاتاً بما هو عبد ، هناك العنفوان ، هنا الوداعة ، هناك بروميثوثية طاغية ، وهنا القناعة وراحة البال ، هناك الشك والتساؤل والنقد ، وهنا اليقين والتلقين والامتثال )) .
طبعا السبب في ذلك إن الإنسان في بلاد الغرب تحرر من الخوف وكفت تلك البلاد أن تكون بلاد الخوف ، بينما في مجتمعاتنا مازالت ثقافة الخوف هي الطاغية .
لقد تسللت إلى عقل الإنسان قيم الخنوع والخضوع والاستكانة والرضوخ ، وسيطرت على ذهنيته بدلاً من قيم الإخلاص في العمل ، وحب الوطن والمساواة والحرية .
حتى الطفولة تستباح براءتها ، فالمدارس التي وجدت من أجل تعليم هؤلاء الأطفال ، وإعداد عقول قادرة ، على صنع المستقبل والإبداع ، لأن الإبداع هو نتاج فكري ، والفكر نتاج عقلي ، فمن غير الممكن بناء جيل مبدع يجعل من مجتمعاتنا مجتمعات متطورة دون تحرير العقل عن طريق نظام تعليمي يعتمد على الحوار والتحليل ، وينمي ملكات التفكير ويدرب العقل على طرح الأسئلة ، بدلا من هذا كله يتم تلقين الأطفال بالشعارات التي تمجد القائد الواحد والحزب الواحد واللون الواحد ، وتعلمهم الطاعة العمياء والولاء المطلق للسلطة ، مما يترتب على ذلك نتائج كارثية أبرزها خلق جيل مشوه قائم على سلوكيات فاسدة غير قادر على التفاعل مع متطلبات الحضارة وبناء وطن مزدهر.
تتحول الدولة إلى فوضى ولا يعد للقانون أي قيمة ، يصبح هذا القانون مطية بيد صناع القرار أصحاب النفوذ السياسية والأمنية والاقتصادية الذين يلتهمون الأخضر واليابس من ثروات ومقدرات البلاد ، ويكتمون على أنفاس العباد ، بينما المواطن يعيش حالة الفقر والاستغلال الاقتصادي والإذلال الاجتماعي والتهميش السياسي والثقافي ، كل هذا يحدث بالتوازي مع انهيار الأخلاقيات والقيم النبيلة ، كالصدق والإخلاص … وتسود بدلا منها قيم النفاق والرياء والجبن ..إلخ .
وتنتشر المحسوبيات ونهب المال العام ، وتوزيع المناصب على الولاءات مما يؤدي إلى تفشي الأمراض الاجتماعية والسياسية كالبطالة وغير ذلك .
ليس المهم كرامة الإنسان ، ولا سلامة الأوطان ، بل المهم أن يحفظ الله السلطان ، فالمواطن يعاني من استلاب العقل والتفكير ، ويتبنى قيم وسلوكيات السلطة ، خائفاً من الحرية ، وهو بخضوعه وخنوعه يتنازل عن حريته .
فحسب تعبير جان جاك روسو (( إن تنازل الإنسان عن حريته للحاكم أو لأي شخص آخر إنما يعني ، إنه يتنازل عن إنسانيته ، أي يتنازل عن حقوقه وواجباته ، كإنسان )) .






