حكم قضائي لقمع حرية الإنترنت

بقلم: المحامي عبد المجيد محمد 
Abl.majeed.m@gmail.com
قال علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية لمجلس شورى النظام الإيراني، في 31 آذار إن شبكة تليغرام سيتم حجبها  في 20 أبريل كأقصى حد و«يحل محله نظام وطني مماثل واتخذ هذا القرار في أعلى مستوى…». قصد بروجردي من أعلى مستوى؛ إشارته إلى خامنئي الذي يقول كلمة الفصل في كل الشؤون وبشكل خاص في القضايا الأمنية والمسائل المرتبطة ببقاء أو إسقاط النظام. كما ان قصده من نظام وطني مماثل هو شبكة تخضع بالكامل لرقابة النظام والسيطرة عليها.
وعطفا على المسألة المذكورة أعلاه، فقد نقلت وكالة مهر للأنباء في 31 مارس تحذيرات خامنئي خلال العام الماضي في إيران حول مخاطر الفضاء الافتراضي واقبال المواطنين له على نطاق واسع. ومنها قال خامنئي في 22 مايو 2017: «في رأيي، هذه الأدوات الإعلامية الجديدة هي فرصة وخطر على حد سواء؛ الخطر هو أن هذا قد يؤثر على عقول الشباب وفي أذهان غير الشباب».
كما قال خامنئي في 27 ديسمبر 2017: «بخصوص الفضاء الإلكتروني، أقول هذا وأحذر من إطلاق نيران مدفعية العدو … آلاف من المدافع مصوّبة نحونا بالوسائل الموجودة اليوم وغيرها من التي لم تكن موجودة من قبل وكلها جاهزة للاطلاق».
وبالإضافة إلى ذلك، أكد خامنئي، يوم 9 يناير عام 2018، أي في تلك الأيام التي كانت الانتفاضة في أوج غليانها في العديد من المدن الإيرانية، وهو يشكر المسؤولين الأمنيين والشرطة وقوات الحرس والباسيج، قائلا: «على  المسؤولين المعنيين أن يميّزوا بين ذلك الذي تتأثر مشاعره جراء الفضاء الإلكتروني ويقوم بعمل ما أو يدلي  بحديث ما، وبين ذلك المرتبط بمجاهدي خلق. هناك فرق بين هذين الشخصين وليسا متساويين».
وفقا للإحصاءات الصادرة عن المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة تليغرام، فإن هذا التطبيق لديه حاليا أكثر من 200 مليون مستخدم نشط، 40 مليون منهم إيرانيون.
وهكذا، فإن نظام الملالي قد ظهر بشكل سافر وصريح في الساحة اثر المأزق الحرج الذي يواجهه جراء اقبال المواطنين لخدمات الانترنت وخاصة استخدام امكانيات تطبيق تليغرام لايصال صوت الاحتجاجات والتظاهرات للمواطنين الضائقين ذرعا، إلى أسماع العالم، فقام بحجب هذا التطبيق المرحّب به من قبل الإيرانيين بحكم قضائي. 
ووفقا للبيان الصادر عن السلطة القضائية التابعة للولي الفقيه: اعتبارا من يوم الاثنين 30 ابريل «على جميع مزوّدي الخدمات في الانترنت في البلاد… أن يقوموا بحجب كامل الموقع الالكتروني وتطبيق موقع التواصل الاجتماعي لتطبيق تليغرام.. ويجب  أن يكون الحجب بحيث يتعذر الوصول إلى محتوى الشبكة المذكورة بأي تقنية (كسر الحجب وغيره) في البلاد. وأن مخالفة تنفيذ هذا الأمر تستدعى الملاحقة الجزائية».
ولجأ النظام الحاكم إلى استخدام سلطته القمعية للقضاء ووضع كل المجاملات إلى جانب، وأخذ طريق التهديد والترهيب والتجريم بخصوص استخدام شبكة تليغرام ليمارس قمع الحرية في الإنترنت على نطاق أوسع. لا شك أن هذا الإجراء يأتي بسبب مخاوف النظام من استعارة لهيب الانتفاضات الشعبية وعدم القدرة على مواجهة غليانها لكونها استمرت وتوسعت على الرغم من الإجراءات القمعية الهائلة.
وكما أكد بروجردي وهو من بيادق خامنئي في مجلس شورى النظام أن قرار اغلاق خدمات الانترنت في إيران اتخذ في أعلى مستوى. كما ان بيان السلطة القضائية الخاضعة لسيطرة خامنئي يبيّن بوضوح أن جميع قادة النظام بدءا من خامنئي وإلى الملا حسن روحاني وأعضاء الحكومة الأمنيين قد شاركوا في اتخاذ هذا القرار القمعي. كما ينص بيان قضاء ولاية الفقيه صراحة على أن «القضية نوقشت وتم دراستها في عدة اجتماعات حضرها خبراء وممثلو الوحدات ذات الصلة وهم أعطوا آرائهم التخصصية لضرورة حجب ومنع استمرار تشغيل هذه الشبكات».
الملا صادق لاريجاني الذي هو من العناصر الرئيسية لممارسة القمع في إيران قال في 25 ابريل إن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت في خدمة نظام السلطة ومجاهدي خلق لتدمير أركان النظام. 
لذلك، ليس هناك شك في أن حجب تليغرام جاء فقط لتوسيع أعمال القمع والخوف الناجم عن هاجس الإطاحة. ولذلك ينبغي ولغرض مواجهة هذه الإجراءات القمعية، أن يدين مجلس الأمن والدول الأعضاء في الأمم المتحدة والهيئات الدولية ذات الصلة، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) والمؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان الدولية وحرية التعبير، هذه الإجراءات التعسفية من قبل النظام الحاكم في إيران، وأن يقفوا بجانب الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية وأن يعتمدوا نهجا شامل لمواجهة هذه التجاوزات السافرة للقوانين الدولية وكذلك لغرض وصول الإيرانيين بحرية إلى الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي واتصالات آمنة. 
الحقيقة التي يعترف بها الولي الفقيه الحاكم قبل أي طرف آخر، هي أن النظام يواجه مأزقا باسم (برجام) الاتفاق الشامل المشترك والأزمات الداخلية وهو على وشك الانهيار، ويريد من خلال هذه المحاولات القمعية أن يؤجل إسقاطه ولو كان مؤقتا. 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…