ماذا قال العدد 68 من بينوسا نو

د. محمود عباس
  رغم أن الرحلة شاقة، ولا نهاية لها، والمسؤوليات عديدة وثقيلة، إلا أن الإحساس بتقديم خدمة ثقافية فكرية لشريحة من الشعب، وتغيير بعض المفاهيم السائبة والشاذة عن الثقافة الكردستانية، وبمساعدة الأقلام الواعية، تخفف من مصاعب العبء وتسهل من آلام المسيرة. هذا ما تنطق به أعداد الجريدة الشهرية وصفحاتها، الناطقة باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، والمحافظة على ديمومتها بفضل جهد ومثابرة محررها الأخ (خورشيد شوزي (وحرصه عليها على مدى السنوات الست الماضية. الجريدة التي تأخرت فجأة عن الصدور (العدد 68 وهذا العدد) على غير عادتها، رغم أن المواد كانت جاهزة، وحاضرة للنشر باستثناء الرتوشات النهائية، والسبب المباشر أصبح معروفا للجميع، من خلال إرفاق العدد المذكور بكلمة اعتذار من القراء، وهو تعرض المسؤول الأول والأخير إلى حادثة حرق خطيرة كادت تؤدي به وبعائلته، نحمد الله على شفاءه. 
  ولتدارك التأخير ظهر استعجال في النشر، وعلى أثرها غاب عن العدد المذكور مادتي ولأول مرة منذ صدورها، هذا السهو البسيط بحد ذاته توضح بعض الإشكاليات التي تعاني منها جريدتنا، رغم كل الجهود المبذولة، من قبل القائم عليها الأخ (خورشيد شوزي) لإصدارها بأقل عدد من الإخطاء وأبهى حلة، وبمضمون مقدم من خيرة كتابنا تلبي ذائقة أغلب قراءها.
 هذه الحادثة العرضية لجريدتنا (بينوسا نو) ومآلاتها تعكس المعضلة التي يعاني منها الحراك الكردي، كما وهي تكشف عن جملة من القضايا التي لم نتوقف عليها بشكل جدي، وتتكرر منذ أن بدأت الحركة الكردية النضال السياسي والثقافي، ومنها التقاعس في تقديم المساعدة للنشاطات الفردية، وعدم التركيز على نقلها إلى عمل جماعي، وهذه بحد ذاتها خلفية ثقافية مترسخة في لا شعورنا، المسبب في استنادنا على العائلة دون المجتمع، والتباهي بمأثرها والعشيرة دون الأمة والشعب، وتقديم الحزب على الوطن، إنها ثقافة سائدة بيننا تضرنا ولا نشعر بها. 
  ولا شك لهذه أسبابها، وأولها مادية، وتليها سطوة السلطات الشمولية التي أغرقتنا في العديد من المشاكل، أضعفت بها قدراتنا، إلى أن أصبحنا لا نعرف كيف نتجاوز محيط همومنا أو هموم العائلة، وبالكاد نقدم القليل من النشاط الجماعي كخدمة لمركز إعلامي أو إنساني، أو للأمة. ونحن لا نود أن نوجه النقد للجهات الإدارية الكردية والكردستانية التي آثرت أخذ موقف سلبي من الاتحاد وبالتالي من جريدته، لحياديته، ورفضه منطق التبعية والتحزب.
 في الوقت الذي كانت فيه الشعوب المجاورة تبحث عن الكم والنوع في عرض إعلامها، وتاريخها، وأدبها، وتنشر ثقافتها، وتؤسس المراكز الاستراتيجية والأكاديميات، كنا كحراك كردي وكردستاني، ولا زلنا نستند على الجهود الفردية أو العائلية، وفي الفترات الأخيرة على الحزبية، وهذه بحد ذاتها مشتتة لا تختلف عن الأعمال الفردية، لخدمة أمتنا، إن كانت ثقافية أو سياسية، ومعظم المأثر الثقافية-الأدبية أو التاريخية أو الإعلامية هي من نضال أشخاص ضحوا بجل وقتهم لخدمة أمتهم، وبتفاني، وأغلبهم لم ينتظروا يوما المقابل سوى كلمة الشكر من المقربين.
 على أثر هذه النزعة الفردية المغروزة فينا عاشت أمتنا حالة التفكك، والتشرذم من قبل الانتهازيين، وغاب العمل الجماعي، والثورات بحد ذاتها ظلت محصورة في كثيره ضمن العشيرة، أو المنطقة.
   وعلى الأغلب لا نزال لا نعرف لذة وإيجابيات العمل الجماعي، ولم نتذوق طعمه إلا في حالات استثنائية، بل معظمنا لا نعرف كيفية التعامل معه، وهذه تنجر ليس فقط على مثالنا في الإعلام، بل جلها فاضح في فضاء الحراك السياسي، والأمثلة عديدة، ومنها النشاطات الدبلوماسية للأحزاب الكردية والكردستانية، فنحن في أمريكا، لم نحظَ يوماً بوفد يمثل الحراك الكردي، أو أنه قادر أن يقول لمحاوره أنه يمثل الشعب الكردي، وبالمقابل محاوره يعلم سلفا مركزه وثقله ومن يمثل، وبالتالي تنتهي محادثات الجميع بالضحالة، كم من المرات تم طرح هذه الإشكالية على الإخوة في الحراك السياسي، ومثلها عرضت وفي السنوات الماضية من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، يوم كانت تعمل تحت اسم الرابطة على الثقافية الأخرى.
 بينوسا نو جريدة ثقافية قبل أن تكون سياسية، ولا تتبع أية جهة حزبية، لها استقلاليتها وأثبتت وجودها على هذا المنحى، ولها قراءها، وهناك من ينتظر صدورها، موادها متنوعة ومن مصادر لها مكانتها في الحقول الثقافية المتنوعة، لكنها مع ذلك تحتاج إلى جهود مجموعة، تشمل كل الاختصاصات، بجانب المحرر الذي بتعرضه إلى تلك الحادثة تأخر الصدور، إلى إعلاميين مهنيين وتقنيين، ولغويين، وناشرين، وغيرها من الاختصاصات، تربطهم رؤية متطورة نحو الثقافة التي تحتاجها أمتنا، إي عمليا إلى شريحة تؤمن بالعمل الجماعي، وتستطيع أن تصرف ساعات من وقتها لترقى بـ (بينوسا نو الكردية والعربية) إلى سوية صرح ثقافي إعلامي تضمن سريانا سليماً للمعلومات تعكس متطلبات الأمة الكردية، وتوصل الكلمة الكردستانية إلى العالم مع غيرها من المصادر.  
 ونظراً لما حصل مع الأخ خورشيد شوزي، وكان مؤداه تأخير العددين المذكورين، يجدر بنا وبذوي الهمة الكردية الجياشة أن يتداركوا مثل هذه الحالات الطارئة مستقلاً.
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
8-3-2018م
ملاحظة: نشرت كمقالة افتتاحية في العدد (69) من جريدة بينوسا نو الناطقة باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…