ماذا تعني الانتخابات التركية كوردياً؟

  فوزي الاتروشي

   كما كان متوقعاً فاز حزب العدالة و التنمية في الانتخابات البرلمانية التركية و حاز على ثقة الشعب التركي، و الحزب جدير بهذا الفوز بغضّ النظر عن مدى اتفاقنا او اختلافنا مع توجهه الفكري، وقد شكل اداؤه الاقتصادي المتميز اساس فوزه، اضافة الى بعض الشروخ التي أحدثها في السياقات الاتاتوركية للحكم و التي لم تعد منسجمة مع العصر، خاصة فيما يتعلق ببعض الحقوق الثقافية التي منحها للقومية الثانية في البلاد وهي القومية الكوردية
وهذه الحقوق وان كانت محدودة و ضيقة الى أبعد حد، إلا أن حزب اردوغان اقترب من خلالها لاقتحام أكبر محرَّمات السياسة التركية و التي سبق لطورغوت اوزال ان دشَّنها و لكن مجلس الامن القومي التركي وقف حينها بالمرصاد.


   وكما توقعت الدوائر الكوردية و القيادة السياسية في اقليم كوردستان العراق، فان القضية الكوردية في تركيا و التهديدات المتواصلة للاقليم الكوردي العراقي كانت السلعة الاكثر رواجاً في “البازار” الانتخابي التركي.

و المؤلم ان هذا الرواج لم يتخذ شكل تنافس الاحزاب التركية على تقديم خطط و أوراق عمل سياسية لحل القضية الكوردية على أساس ديمقراطي عملي، بل كان التسابق على اتهام كل حزب للآخر بانه يتنازل أمام قضية ما يسميه (الارهاب الكوردي)! او النزعات الانفصالية الكوردية، فأشعل حزب الحركة القومية التركي اليميني المتشدِّد معارك كلامية تحريضية تدعو الى الهجوم الفوري على كوردستان العراق لضرب معاقل حزب العمال الكوردستاني في جبال (قنديل)، و اعادة العمل بعقوبة الاعدام و تنفيذها بحق (عبدالله اوجلان)، في حين استمر حزب العدالة و التنمية طوال فترة التعبئة الانتحابية في الطرق على وتر التهديدات لأكراد العراق و ارسال رسائل غاضبة فيها الوعيد الكثير و لكنها مبطَّنة بخوف كثير ايضاً من المباشرة بتنفيذ العمليات العسكرية او الهجوم الكبير، لوجود اعتراض امريكي و اوروبي واضح عل خلفية تحاشي زيادة وحوّل المستنقع العراقي الغارق أصلاً في التعقيد و التشابك الامني.
   و اهم ما في الانتخابات التركية ان الاكراد فازوا بـ(27) مقعداً في مقابل خصومهم الالداء حزب الحركة القومية الذي حصل على (71) مقعداً و بعيداً عن الفارق الرقمي فان الكورد لهم الحق في الشعور بالارتياح لان مرشحيهم المستقلين و مرشحي حزب المجتمع الديمقراطي الموالي لهم و الذين اصبحوا نواباً في البرلمان سيكونون منذ الآن الناطق الرسمي الشرعي للاكراد في برلمان تركيا و سيعمل هؤلاء على الترويج لبرنامجهم الواقعي القائم على التصالح بين الاكراد و الاتراك و منع اللجوء الى الحل العسكري للقضية الكوردية وهو الحل الذي عجز عن اصطياد السمكة رغم تجفيف البحر كما عبَّر الكاتب الكوردي يشار كمال عام 1995 في مقال له في مجلة (ديرشبيـﮔـل) الالمانية، و اثبات عدم جدوى الهجوم على كوردستان العراق، و مطالبة النخب التركية لتوسيع رقعة الحقوق الثقافية و السياسية الكوردية تجنباً لاستمرار تآكل السمعة التركية دولياً.


   واذا كانت الاغلبية الاسلامية لن تحقق المطالب الكوردية كلها بسهولة و يسر، فانها على الجانب الآخر لن تخاطر في عقد تعاون غير مشروط مع القوميين الأتراك فيما يخص التعامل مع الجوار الاقليمي و مع التركة الاتاتوركية، او النظرة المتحفظة و العدائية على طول الخط للقضية الكوردية، لان ذلك مخاطرة كبيرة و لا تجلب لتركيا الا المزيد من الازمات و العزلة و الابتعاد عن مناخ العالم الراهن.
   ان اكراد تركيا و كذلك حزب العدالة و التنمية لهما مصلحة في هذا التطوير الايجابي المتمثل في دخول نواب اكراد الى البرلمان، فهم يشكلون اذا أحسنوا الأداء و اذا لم تغلق الابواب بوجههم مثلما حصل مع البرلمانية الكوردية (ليلى زانا) و زملائها أوائل تسعينات القرن الماضي، جسراً بين الحكومة و العسكر و بين الثوار الاكراد وان بشكل غير رسمي، و يتخلص حزب العدالة و التنمية من حراجة تهمة الاتصال مباشرة بحزب العمال الكوردستاني.

و تستطيع تركيا الآن ان توظف الوجود الكوردي في البرلمان، بشرط عدم التضييق عليه، في ازاحة تهمة العداء الكلاسيكي للكورد.

ان الوجود الكوردي الفاعل في البرلمان التركي اضافة الى وجود عشرات من رؤساء البلديات الاكراد في كوردستان تركيا منذ عام 2002 يعني ان الهوية الكوردية تتبلور اكثر فاكثر و من خلال اطر قانونية، وان كوردستان رقم صعب لا يمكن كالسابق تجاوزه.

ان العقلانية و العمل بمرونة و على نار هادئة مع الاحزاب التركية في البرلمان يفتح املاً كي يصبح الحوار و ليس لغة السلاح و العنف طريقاً لحل الشأن الكوردي في تركيا، و يجدر الذكر ان النواب الاكراد الحاليين عليهم التحلي باقصى قدر من الحذر و اليقظة لعدم الوقوع في حبائل مواد دستورية و قانونية قد تفرض عليهم الاقصاء و السجن، مثلما حصل مع (ليلى زانا) التي ارادت تجاوز كل الموانع دفعة واحدة و رفضت في حينه اداء القسم الدستوري باللغة التركية و دعت الى دولة كوردية تعترف بها تركيا فاتهمت بالتعاون مع حزب العمال الكوردستاني و خسر الاكراد فرصة مواتية لاسباب شكلية كان يمكن تجنبها، و لعل دعوة (ليلى زانا) الحالية الى الفيدرالية في تركيا يؤكد نزوعها الى الحل الواقعي.

و لذا فالنواب الاكراد حالياً عليهم العمل الدؤوب بدون لغة شعاراتية استفزازية و عليهم اثبات انهم مؤهلون لحمل الامانة، مثلما يجدر بهم توظيف الموقف الايجابي الاوروبي من القضية الكوردية في تركيا، و حينها ستضطر الحكومة التركية نفسها، و ان على مضض، على اعتبارهم وسيطها للحل و غض النظر عن خيوطهم الموصولة سراً بالاحزاب الكوردستانية في تركيا، واذا كانت تركيا قد استوعبت الدرس فانها ستجعلهم واجهتها للتفاوض و الحوار وصولاً الى الحل السياسي لمشكلة كلما تقادمت انهكت تركيا و وسَّعت الشرخ في ديمقراطيتها و أبعدتها اكثر فاكثر عن أمل الانتماء للاسرة الاوروبية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…