الكُرد والإسلام الكردي

 ابراهيم محمود
بدعوة رسمية زار الرئيس التركي أدروغان الفاتيكان في ” 4-2/ 2018 “، وشكَّلت القدس محور الحديث بين قطب كنسي مسيحي عالمي عريق، ومن يعتبر نفسه القطب الديني الآخر والمقابل: الإسلامي تركياً، رغم أن أردوغان لا تعنيه القدس إلا كـ” جزرة ” يلوّح بها أمام المنقادين بـ” عصاه ” السياسية المدبَّبة، مثلما أن الإسلام لا يهمه، كما لم يهم من كانوا قبله إلا لتأكيد قطبانية تركيا الطورانية وليس المسلمة وحدها، مثلما أن أخوَّة الدين لا تعنيه إلا باعتبارها تبرير سيادية التركي قبل كل شيء على عبودية الكردي أو هكذا، وأن أي إيذاء للكردي يراد منه هدايته إلى الصواب، من منظور السياسة الحاكمية .
ليت الكرد فيما ينظرون يرون ما يجري، ليتهم يخلصون لدينهم الذي يجمعهم بأمة المليار وثلاثمائة مليون مسلم، دون أن ينصهروا في بوتقة هذه الأمة، حيث تضم أمماً، ولكل أمة رايتها، ولغتها، وطريقتها في تجسيدها لدينها: فالعربي هو عربي قبل أن يكون مسلماً، وتلك بداهة، والفارسي، وليس الإيراني طبعاً، فارسي قبل أن يكون مسلماً، أنَّى كان مذهبه، وتلك بداهة أيضاً، والتركي تركي في الصميم، قبل أن يكون مسلماً، وتلك بداهة بالمقابل، وكل من هؤلاء إجمالاً يشدّون إليه الكردي على أنه أخوه المطيع في تبعيته، العاق/ العاصي/ الإرهابي، إن نازله بالمساواة، أي مسلم وليس كردياً، وبالطريقة هذه يصاغ كالعجينة، ويخبَز تبعاً لهوى كل من هؤلاء في تنوره ” القومجي “، فهل يعترف الكردي بأنها بداهة؟
الكردي، خوفاً، أم تخوفاً ما أكثر ما يعرّف بنفسه مسلماً وهو ” يحمدل “، ولو أنه تنبَّه ولو في الحد الأدنى إلى أنه خلِق بلسان كردي، وليس بعمامة مسلمة، فهذه من الخارج، حتى لو أنها متوارثة، ولكنها مصنَّعة، لحاول جاهداً، على أن يكون كردياً، ويفكّر كردياً، وينام بشعور كردي، ويستيقظ بوعي كردي، وينظر إلى السماوات العلى بخيال كردي، ويتأمل الطبيعة بذائقة كردية، ويعاشر زوجته بمتعة كردية، وليس بتعويذة تخرجه عن خانته الكردية، ويموت على الطريقة الكردية، حتى وهو يتخيل عالماً ما بعد الموت تكون اللغة المسموعة والمتداولة فيه كردية، وحتى خالقه نفسه، تكون لغته الأم بالنسبة إليه كردية، مثلما الحال مع العربي، التركي، الفارسي، الروسي، الهندي، الاسكيموي، التايلاندي…الخ، ليكون أكثر أماناً على نفسه، واطمئناناً إلى طبيعته:بتضاريسها وجبالها، بسهولها وأنهارها، بمخلوقاتها وجماداتها…الخ.
في مشروعية الحديث عن الكرد وإسلامهم الكردي، ثمة ضرورة ملحَّة ليكون الكردي أقرب إلى نفسه كسواه، وليدرك أنه مطعون من الداخل، مثلما أنه مستهدف، كما هو الآن في ديار لا تعتبَر له، ولا هو ذاته لنفسه، إنما فرجة للعالم الأكبر والأصغر، كما الحال في عفرين، فما أكثر ما نشهد احتجاجات عالمية، أو هنا وهناك، إزاء ضرب ” حيوانات ” معينة: بحرية أو برية، وإثارة الرأي العالمي، أليس في ذلك ما يعيب، ويُستهجَن؟ إنما يكون الكردي الذي ” يسوكن فمه ” من السّواك “، ويمسّد على لحيته صحبة شعور انتشائي أنه مسلم وكفى، وهو يرى أخاه الكردي مستهدفاً أمامه؟ وبتعزيز ومباركة من المعتبَر أخاه المسلم، وهو المتسيّد عليه!
لو أن المعنيين بأمور الدين الإسلامي من الكرد، في الحد الأدنى من نظرائهم في القوميات الأخرى” المسلمة “، يتنبهون إلى حقيقة الدين، وما ينبغي أن يكون، وهم يقومون بواجبهم الديني الصحيح لما كان الكردي الآن كما هو في ضعفه واستضعافه وتضعيفه باضطراد .
في درس أردوغان وغيره على مستوى الممارسة الدينية، أكثر من عبرة، جديرة بأخذها في الحسبان كردياً، أم أن كردنا المسلمين يعتبرون ذلك دعوة إلى الشقاق والتفرقة، أم تلك ميزة الكردي الوحيدة في العالم أجمع في أنه مسلم إجمالاً، قبل أن يكون كردياً، ليكون متميزاً؟ حتى في النقطة هذه، ليت أخوته المسلمين الآخرين يقرّون له بهذه الخصلة، وتعلَّموا منه بعضاً من التفاني والانفتاح عليه، ومعرفته كردياً في حقيقته ؟! ذلك ما لم يحصل حتى الآن!
دهوك- في 7-2/2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…