دولة كردية أم دول مواطنة؟

فرمز حسين
لا شك أن المسالة  الكردية هي من القضايا السياسية الأكثر تعقيداً ليس فقط على مستوى الشرق الأوسط بل عالمياً و هناك عوامل كثيرة ساهمت في ربط هذه العقدة التي أصبحت عصية على الحل  زمناً بعد الآخر على الرغم من تعاقب الأنظمة و الحكومات  التي تولت سدة الحكم اقليمياً و دولياً.
كثيراً من العوامل كانت مؤثرة على المشهد الكردي من أهمها هو غياب دولة المواطنة في طبيعة الأنظمة التي تقاسمت جغرافية كردستان والتي في مجملها تبنت الخطاب القومي عربي , فارسي, تركي ساهمت إلى حد كبير إلى نأي الكرد بأنفسهم و اللجوء إلى أحزاب كردية صرفة  كإطار وحيد للعمل السياسي و خاصة بعد ضعف و شبه الاختفاء الذي لحق بالأحزاب الشيوعية والتي كانت قد جذبت بين طلائعها شرائح كردية واسعة للعمل في صفوفها 
و بتصدر الأحزاب القومية محل  الأحزاب اليسارية التي كانت تتبنى أيديولوجيا أممية انعدمت فرص تعايش الكرد مع محيطهم دون الانصهار مع الأغلبية السكانية في تلك الدول و بالتالي كان لابديل عن العمل لايجاد حل عادل لشعب تعداده يزيد على الثلاثين مليون نسمة , و لأجل هذا الهدف في الأساس كانت استمرارية حركة التحرر الكردية, لكن أحزابها و قياداتها  دخلت في  صراعات بينية لا علاقة لها باالخلافات الفكرية بل سعي كل طرف الاستحواذ على السلطة ظناً منه  بأن اضعاف الآخر سوف يخوله تمثيل الشعب الكردي متناسيين أن من يقف وراء بعثرة القوى الكردية هم أنفسهم من  يريدون سحق أية محاولة من شأنها خلق فرصة حصولهم على حقوقهم القومية المشروعة  و بذلك تحولت الحركة الكردية  إلى ألعوبة في أيدي القوى الاقليمية حيناً و الدولية حيناً آخر تصعد و تهبط بهم طبقاً للنزاعات المذهبية بين ايران و تركية  تارة والسلطوية بين العراق و سورية تارة أخرى و تركية و سورية طوراً آخر  و شكّل الكرد دائماً في نهاية المطاف الضحايا في اطار مقايضات  سياسية بين مختلف الأنظمة صاحبة الشأن .
ماحصل مؤخراً من  توحيد لمواقف القوى الإقليمية  ضد كردستان العراق جاء تأكيداً على استعداد تلك الدول الأربعة التحالف مع الشيطان في سبيل سحق طموح الأكراد في تكوين كيان مستقل لهم  و الذي عبر شعب كردستان  عنها  بأغلبية ساحقة بنعم في استفتاء الاستقلال و لو أن النتيجة كانت معاكسة لما حركت تلك الدول ساكناً هذا من ناحية, أما من ناحية أخرى  فهو  أيضاً تأكيد على أن القيادات الكردية لاتزال مشاركة في التلاعب بمصير شعبها دون أخذ العبرة من التجارب التاريخية الكثيرة منها تخلي الأوربيين عن الكرد في معاهدة لوزان لصالح الاتراك و تخلي السوفيات عن  جمهورية مهاباد و اتفاقية الجزائر و غيرها من الأمثلة المعروفة ضمن مسيرة حركات التحرر الكردية.
 القوى الدولية ليست لديها الإرادة في رسم معالم خرائط سياسية جديدة من شأنها تقويض كيانات كبيرة مثل تركية  العضو في حلف الناتو و ايران التي تتمتع بنفوذ و امتداد واسع في العالم العربي الهش و على وجه الخصوص إذا كانت القوى الكردية نفسها متناحرة فيما بينها.  
ضمن مثل هذه الظروف ليس أمام احزاب الحركة الكردية إلا خياران مختلفان تماماً لا ثالث لهما:
الأول: ترتيب البيت الكردي و البدء بمرحلة نضال جديدة من عمر  حركة التحرر الكردية  في الأجزاء المختلفة من كردستان باستراتيجية موحدة وتنسيق تام واضعين نصب أعينهم الصالح القومي فوق الأجندات شخصية, عائلية ,قبائلية أو حتى حزبية كانت  لتشكل قوة  من الصعب تحويلها  إلى  لقمة سائغة للغير.
الثاني:  اذا كان مبدأ  التبعية للقوى المسيطرة على كردستان شرط لاستمرارية وجود الأحزاب الكردية  فمن الأفضل تحولها  إلى حركات وطنية غير اثنية تساهم في رسم معالم سياسية جديدة في الشرق الأوسط و تنادي بالعدالة الاجتماعية و وحقوق المواطنة دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس.
ستوكهولم
2017-12-12
Farmaz_hussein@hotmail.com
Stockholm-sham.blogspot.com
Twitter.com/FarmazHussein

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…