عن خليل محمد علي يونس ساسوني: تحية لألمه المتبقّي

 ابراهيم محمود
علِمت من أحد الأصدقاء أن شاعرنا الكردي خليل محمد علي يونس ساسوني مازال ينازع الموت، ويحاول صدّه عنه رغبة روحه في استزادة الحياة، وأن منازعته مضى عليها حينٌ محتسب من الدهر، وعِدَّته هي الألم، ألم من نوع آخر. وليس ما يهز وجدان الشاعر أكثر من ألمه الذي يكتسيه، ليس ما يربطه بالعالم أبلغ من لسان الألم الناري، ليس ما ينبّهه إلى مفارقات وسطه كالألم، ولا بد أن ساسوني، وأسمّيه جبلياًّ كما يحب، أو هكذا أقدّر فيه. خبِرَت حياته ألمه كثيراً، وتفاعل مع ضروب حياة كثيرة به، وأن المتبقي من ألمه قليل ليحسن تشذيب الحياة فيه أكثر، رغم أن الذي يقصيني عنه مسافة طويلة، عدا عن مسعاي لأن أُرئِب صدعاً منذ زمان، فشلت فيه، لنكون كما كنا ذات يوم وعلى مر سنوات طوال نسبياً، أقولها ليس بفرح، وإنما بألم من نوع آخر، تمنيت خلالها أن ينفتح على حقيقته كإنسان لصالحنا كلينا، أعني ما يجعل الألم عرّاب نور يضيء عالم أكثر من ذائقتين، من قلبين، من وعيين، خصوصاً في الكتابة !
لا أدري أين هو الآن شاعرنا ساسوني، وكيف هي جغرافيا جسمه وطقس روحه داخلاً، على أي تخوم حياة يتحرك، بأي حياة قلبه ينبض، وجسده يرتعش، وأي مسافة بينه وبين الموت! حسبي أنني هنا، وبيننا مسافة جغرافية، أن آمل على هذه الحياة أن تكون الأقرب إليه، وأن يكون الموت مؤجَّلاً ومؤجلاً، لأن ألم قصيدة ما، ربما يتنفس كلمات، تلحَّن وتغنَّى فيطرب لها .
لا أدري، في أي وضعية، هيئة، حالة، يكون ساسوني، أعني خليل محمد علي يونس، أعني الشاعر، وأعني الإنسان الذي كنت ألتقيه في الطريق الممتد بين بيته المجاور للملعب البلدي، وقلب المدينة مراراً ومراراً ومراراً، حيث ينتظره مكتبه بصفته محامياً، أعني به ما كنت أتلمس فيه أكثر من عصفور لقاء ، على شجرة، مؤانسة وهو نظير طليق الجانحين، وكلامه فضاء فضاء، ولا يحكم بيننا، سوى خفة رائحة قهوة مغلية بإدارة يده المرهفة النبض، كما يجب، وقد شبَّت عن طوق ركوة متواضعة لكنها ضامنة نكهة تفي ذوق المحتسى حقه، وبيننا مسافة عامرة بألوان كتب تضمن مزيداً من التحرر من ربقة اليومي، بهموم كنا نستأنس بها، وحركة أنامل منه كانت تمسح جبهته، وهي تعيد ترتيب شعيرات باقية في مقدم رأسه، برفق معتبَر، وبيننا الكثير مما يقال ويقال إلا البين، حتى حصل بيْن، ما زلت أندهش لوقعته بيننا: كيف لشاعر عصفوريّ الروح أن يمدَّ في بين، لأنني قلت فيه ما أردته تقريباً للمسافة لا تعميقها، وأنا أعني هنا كلامه كأديب، قوله كشاعر، وليس الذي كنت أمد إليه يدي وبيننا مسافة قصية توقاً إلى ود ربما حمل بصمة يدينا كثيراً جرّاء مصافحات ولقاءات، مازلت أفصح عن دهشتي إزاء ألم ما كنت أتمنى حضوره وأنا أذكّره بما كنّاه ذات يوم، وما صرناه بعده، وما لا أريد أن ينقطع ألمه، بحيث تحصل قطيعة كلية بين جسده ومستودع الألم حاضنته: الروح .
لا أكتب الآن، وهأنذا أكتب الآن، وبي ألم كان مذ وعيت على ما أنا عليه، يضاف إلى ألم مذ دخلت” سلك الكتابة ” وشِيعته الساخنة والعارية والعازلة والمكهربة محمولة في الأنسجة، وهي في أوساطنا هنا وهناك إجمالاً، وتضاعف هذا الألم، وتداعى سجلّاً حياً، لأنه شهد محاولة لمعايشته في الذين يمتهنون الكتابة،ليضاف الأخير إلى ألم موصول بسواه، لنزداد عمقاً إنسانياً، حيث لكل منا ألمه الذي يعرَف به، وما كنت أردده سابقاً وراهناً وسأردده تالياً: يا متألمي الحرف اتحدوا ، وليس المعرَّف بألمه المتبقي خليل محمد علي يونس ساسوني باستثناء.
أتراني أخطأت في التعرُّف عليه” أي الألم ” ؟  أأخفقت في تشكيل الألم ومناداته خطأً؟ أأخطأت في تهجئته، في تحديد جنسه ونوعه، ومقاسه؟ لأنال عقاباً باعد ما بيني وبين إنسان لم أشأ نسيانه، ولا كان هناك نسيان، كونه حاضراً داخل ذاكرة  ألم كبير أعيشه لأحيا به، وأعرف به آخرين داخلي. خليل محمد علي ساسوني، لتعش بالألم الذي يبقيك في الحياة !
تُرى هل سيقرأ ألمي هذا بوثبة روح أخرى ؟
منتصف ليل دهوك، في 4-12/ 2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…