حرّروا كوردستان بعقولكم لا بعواطفكم

إدريس سالم
من أدوات القادة لممارسة السياسة وتنفيذ أيّ مشروع لنهضة شعبه أو قضيته هو تحكّمه بالعقل بصبر وحنكة، وإدراكه المعرفي بالواقع، فالسياسة لن تتركنا حتى لو تركناها وابتعدنا عنها، فهي معنا كل يوم جراء استمرار الحرب والصراع، ومؤثرة بقوة كبيرة على شتى مجالات حياتنا «ارتفاع سعر الدولار وانخفاضه قد يقضيان على حياة دولٍ بأكملها!!»، ولذا فمن الحكمة أن يمارسها أناس أذكياء وواقعيين، يعرفون المناسب من التصرّفات، ويتقنون أداءها، ويختارون أحسن الأوقات للتنفيذ، ولا يغيب عن حدسهم وفكرهم تقدير المآلات، وبناء التحالفات، وغيرها من دهاليز السياسة التي تحتاج إلى معرفة ومهارة. 
إن ما نعيشه – نحن الكورد –  من اتهامات وتخوينات متبادلة ودائمة ومتجذّرة وراسخة في عقليتنا، وجدال عقيم مأساوي، وحرب نفسية معقدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين الأوساط الثقافية والسياسية والإعلامية، من خلال مختلف الأحداث التي تشهدها الساحة الكوردية خاصة والعربية عامة تجعلنا نعيش الحياة بشكل سوداوي دائم، فكل مثقف أو مهتم أو ناشط يحاول التعبير عن رأيه والتعليق عن الأحداث حسب أفكاره وقناعاته الشخصية أو أجنداته «كلّنا سياسيون، وكلّنا محلّلون، وكلّنا إعلاميون، ولكن قليل منّا وطنيون مخلصون لكوردستان»، إلا أن معظم هذه الآراء تبقى فرضية بحتة، لا تستند إلى أيّ تحليل موضوعي وواقعي ملموس، بل على العكس تستند إلى الجانب العاطفي «بعاطفتنا تسقط مدننا»، حيث تجدهم يحاولون إظهار الجانب العاطفي وإخفاء الجانب الحقيقي، الذي من المفروض أن يكون هو الأساس لإظهاره أمام المجتمع، لهذا أرى بأن أكثرهم يتجه نحو العاطفة، أكثر من توجهه نحو الحقيقة، التي لا بدّ لها أن تفصل بين العاطفة والسياسة، فالخلط بينهما يظهر من خلال ردود الأفعال العاطفية تجاه الأحداث، وهو طمس للجانب الحقيقي. 
الشعب الكوردي بشكل خاص، وشعوب الشرق أوسطية بشكل عام يعالجون ويحلّلون القضايا السياسية من وجهة نظر عاطفية، وفي المقابل يعالجون القضايا العاطفية والاجتماعية من وجهة نظر سياسية أو للأنا الذاتية ومنافعها، فنحن معروفون أننا من خلال العاطفة نفتن ونشتم ونفرّق، نفكّك المجتمعات، نخلق المشاكل في التنظيمات وننشق، نندّد ونؤسّس الأحزاب والحركات، نجمع المؤيّدين والمتبرّعين والأعضاء للحزب «السياسي العاطفي، كالذي يصطاد السمك في الصحراء»، فيما بالواقعية نسرق وننهب ونخون القضية والشعب. 
إن الأنظمة المحتلة لكوردستان، القديمة منها والحديثة المستنسخة، بمعارضتها الداخلية والخارجية، تختلف على كلّ شيء، إلا أنها تتفق على صورة واحدة، هي رفض إقامة الدولة الكوردية، حتى لو كانت على شكل مترٍ بمتر وفي وسط البحر، فيما المصيبة الكبيرة والخطيرة التي يواجهها الكورد وفي أجزاء كوردستان الأربعة هي أنهم منقسمون إلى قطبين، قطب مع النظام والقطب الآخر ضدّه، وهذا الانقسام لا يزال المجتمع الدولي قبل أعداء كوردستان منشغلون به، ويعملون على تغذيته بكل السبُل، ويجب أن نشير إلى أن أحد الطرق المؤدية إلى استقلال كوردستان يكمن في إصلاح القطب الموالي لهذه الأنظمة الفاشية، أو التخلّص منها. 
ولكي نكون منصفين، فقبل قرن مضى، الشعب الكوردي كان عاطفياً في الحرب والنضال، فيما بعض الثورات التحريرية، امتداداً إلى آخر معركة خاضها الكورد في كركوك لوحدهم ضدّ ميليشيات إيرانية في العراق والشام «مـاعش» الجديدة الولادة، وبأسلحة الدول الغربية ومباركتها، بدأت هذه الفئة العاطفية بالانقسام أو التحرّر، فمنهم مَن توارث العاطفة ولا يزال يعمل بها ويحقّق منافعه ونكساته منها، ومنهم مَن اكتسب الواقعية من الظروف والتحدّيات والأهوال التي أصابت الكورد. 
فالشعب الكوردي كان يظنّ أن تصريحات قادة دول العالم العظمى عن حقوق الإنسان وتقرير الشعوب لمصيرها سيجعلهم أيضاً يقرّرون مصيرهم بكل سهولة وبساطة ودون عقبات كارثية، معتقدين أنهم سيدعمونهم لبناء دولتهم، دون أن يدركوا الحقيقة الواقعية التي تقول أن الغرب لا يهمه لا كوردستان ولا الدول المحتلة لها، بقدر ما تهمّها مصالحها ونفوذها وانتصار شركاتها القابضة في حروب النفط وبيع الأسلحة والثروات والخيرات. 
الشعب الكوردي كان ينتظر من المجتمع الدولي المكافآت والأوسمة لقاء دفاعه عن السلم والأمن العالميين، وحربه ضد الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش، وأن استقبال كبار القادة الكوردستانيين في البرلمانات الدولية ومراكز القرار، والتصريحات الإعلامية الداعمة لحربهم، والزيارات المتتالية للوفود الدولية إلى إقليم كوردستان وجبهات تواجد البيشمركة، وفهم من ذلك – من منطق تحليله العاطفي – أنه بعد داعش سيمنحه الدولة الكوردية على طبق من ذهب، بل على العكس كل ذلك كان ضمن إطار مصالحهم الاستراتيجية ومخطّطاتهم التكتيكية، فهم كانوا يعتبرون قوات البيشمركة قوات شريكة في الحرب على داعش وليست حليفة دائمة «اسأل نفسك أيّها السياسي العاطفي: ما الفرق بين أن تكون شريكاً، وبين أن تكون حليفاً؟».
وعليه فالمطلوب من السياسي الذي يمارس السياسة بالعاطفة أن يحفظ ما قاله وينستون تشرشل «في السياسة ليس هناك عدوّ دائم أو صديق دائم، بل هناك مصالح دائمة»، فغالبية الأحزاب الكوردية أحزاب عاطفية تقليدية غير قادرة على إخراج نفسها من عزلتها، وسياسيّوها أشخاص عاطفيون عاديون، يسيّرون الشعب دون أن يملكوا أيّ مؤهّلات أو معارف مختلفة عن عامة الناس، ويناضلون من أجل القضية من خلال العاطفة والمنفعة الذاتية، وليس الواقعية والعمل المؤسّساتي، ويتخذون القرار السياسي نتيجة لتأثير حرارة اللحظة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعاطفته، وليس بناء على تراكم معرفي، وهذا ما جعلنا نكون من الشعوب المتأخرة والخاسرة دائماً، وإن كنّا هكذا فلن نرى الدولة الكوردية، وسنكون رهائناً بيد أعدائنا. 
كاتب وصحفي كوردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…