رحيل جلال طالباني إلى الأمام

ابراهيم محمود
ولِد في بيئة متخمة بالأمراض، وعاش وسط محمية أمراض عالقة، وعانى أمراضاً متواصلة، وكبُر وهو معه أكثر من مرض محيطي ونفسي واجتماعي وتاريخي، وكابد مرضاً ” شقياً ” في آخر سنّي حياته أنساه الكثير من الأمراض السالفة، لأنه كردياً كان، وفي وسط كردي، وفي أكثر من مجتمع تتقاسمه أمراض لا تنعدم، ورحِل وفي روحه حسرة من مرض عضال، كردي الاسم، أن يكون له وطن كردي بحدوده وجنوده، ذلك هوالحاضر بموقعه: جلال طالباني.
رحل عن عمر، مدده: أربعة وثمانون عاماً، وفي أكثر اللحظات سخونة بطابعها الكردي. أكان يعيشها وهو بوجعه النفاث؟ 
جلال طالباني السياسي الكردي المحنك، جلال طالباني ذو الدعابة الاستثنائية والسريع النكتة، جلال طالباني المثقف السياسي والاجتماعي والمتفهم لأولويات مجالسيه، جلال طالباني الحاضر البديهة، جلال طالباني الخبير بالمفارقات من حوله، جلال طالباني الذي يستحق تقديراً.
كان في روحه شيء ملحوظ من بيئته وقد أحسن إدارته: ثقافة محلية بلغتها، وفي فكره ما يخرجه من هذه المحلية، وهو متقن أكثر من لغة، فكان أقرب إلى السياسي الذي يسعى على أكثر من صعيد كيف يوجّه البوصلة لحساب الجهة التي يعتبرها أكثر صواباً. كان فيه بعض من التقليدية وأكثر منه جهة الحداثة، كما شهدناه رئيس دولة العراق ذات يوم، وبين التقليدية قليلاً والحداثة كثيراً كان يحاول الحفاظ على موقعه كسياسي كردي يعرف نوعية التحديات التي يعيشه في وسطه وعلى حدوده، وبينه وبين نفسه.
أحسب لو أن الراحل الكردي الكبير طالباني اختص بفرع اجتماعي تاريخي” انتروبولوجي “، لكان له شأن مختلف، لِما عرِف به من ثقافة واسعة، وخبرة بلهجات ولغات وسطه وخفاياها، سوى أن مؤثرات المكان، كما يظهر لها غوايتها وقدرتها في احتواء هذه الثقافة وتحميلها دمغتها التي تسمّيها: أن يكون سياسياً عموماً أكثر من كونه رجل ثقافة، وللسياسة في عالمنا، وأوساطنا الإقليمية والمحلية الكردية الكثير من المشوّقات والمطوقات، فالسياسة توجه إلى الخارج، حيث تتوافر حلبات، أو تتشكل تباعاً، وثمة أضواء تسلَّط، والثقافة نزوع إلى الداخل غالباً.
غير أن الذي يمعن النظررفي مسيرة هذا الرجل الكردي المختلف على مدى عقود زمنية عديدة، ربما يتلمس فيه أطيافاً من الكردي: المنتصر، والمقاوم، والمنكسر، والمصدوم، والقلق بما يجري، والمشدود إلى الغد، ولكل صفة مما ذكِر تشخيص وتمحيص قيمة.
سوى أن الأهم في الموضوع هو أن رحيله الأبدي لن يكون إلى ” الأمس “، إنما إلى ” الغد “، أي إلى الأمام، لمن يحسن قراءة الشخصية ومركَّبها السياسي والثقافي، وتحديداً لحظة التعرض لها بعيداً عن استرضاءات معينة: عن مديح مجاني أو غمطه حقه أو تهميش موقعه، خصوصاً في إقليم كردستان العراق، وخصوصاً أكثر داخل مدينتة المعلنة الحداد على اسمه اليوم” الثلاثاء، 3-10-2017 “: السليماني/ سليماني. وحده الباحث المنقّب في محتوى الشخصية، شخصية غنية كهذه: شخصية مام جلال، بمفاهيم سياسية تنفتح على العلم وليس المزاد السياسي، وعلى الثقافة، وليس على وهمها، يمكنه أن يقبض على أكثر من علامة فارقة مؤثرة تفيد في معرفة المزيد من تاريخ المنطقة عموماً، وتاريخ الكرد، ودور الشخصية في تلوينه، وتحديداً، لأن ما ألّف ” وما يعنيه التأليف من حفْر أعماق، وارتياد آفاق “، لا يعدو أن يكون كتابة صحفية أو مناسباتية، أو تذكارية، ومام جلال أكبر مما هو تذكاري، أي اعتباري لمن يريد أن يقرأ تاريخه في عمومه، ومن خلال أدوار من أسهموا في بنائه أو ترْك أثر فيه كالراحل إلى الأمام: جلال طالباني، وهذا يمثّل تحدياً للمعنيين بالكتابة الجادة، وإرادة المعرفة الفعلية ليس إلا !
دهوك
في 3-10-2017  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…