الكرد ومصير الشرق الأوسط والعالم

هوشنك أوسي
حظي قرار الكرد الذهاب إلى الاستفتاء على تقرير مصيرهم، بحالة من الهلع والذعر والمتابعة والممانعة والقبول المشروط، أو القبول بنهكة الرفض، لكأنَّ الكرد باستفتائهم على تقرير مصيرهم يقررون مصير الشرق الأوسط وبلدانه وأنظمته ونخبه الحاكمة والمعارضة، ومصير الاتحاد الاوروبي وأميركا ودول جنوب آسيا، والامم المتحدة ومجلس الأمن؟! هذا الكمّ من الذعر والقلق يؤكّد مدى فداحة ما عاشه الكرد وبشاعته طيلة قرن، تحت سلطة نظم ونخب استبداديّة وفاسدة وغاشمة وسيطرتها، ذلك أن قرار الاستفتاء فضح بطانة الكثيرين وتقيتهم، أكراداً وعرباً وعجماً. وبالتالي، بمقدار ما هزّ قرار الاستفتاء الشرق الأوسط والعالم، فإنه خدم القضيّة الكرديّة سياسيّاً وإعلاميّاً، وأعطى ثماراً ربما لم تعطها عشرات السنوات من الكفاح، فحتى الرافضون الاستفتاءَ وحقّ الكرد في تقرير مصيرهم، ومَن شتموهم وخوّنوهم، قدّموا خدمات جليلة للكرد ولقضيتهم، إذ برهنوا أن الكرد تحمّلوا العيش المشترك قرناً من الزمن مع أنساق من التفكير والسلوك كهذه، وأنه آن أوان الطلاق معها، بل ربما تأخّر. 
وبالتالي، فالغلال السياسيّة والإعلاميّة لقرار الاستفتاء كانت وفيرة ومهمة، يمكن التأسيس والبناء عليها، وستكون لنتائج الاستفتاء غـلال وثمار سياسيّة أكثر وأهم. وسيكون واقع وقرار وإرادة ووزن كرد (العراق) بعد الاستفتاء، أضعاف ما كانت عليه سابقاً.
قلّة قليلة من الكتّاب والمثقفين العرب والترك، كانوا مع حق الكرد في تقرير مصيرهم. هذه القلّة، ستزداد لاحقاً، خاصّة بعد إجراء الاستفتاء وظهور نتائجه. ولن ينسى الكرد من وقفوا معهم ساعة المحنة والأزمة، وكذلك من وقفوا معهم وغيّروا مواقفهم نحو التأييد، ساعة الفرج والتمكّن. واعتقد أن النتائج ستغيّر الكثير من المزاج العالمي والعربي والخليجي والإقليمي الرافض الاستفتاء، ذلك أن ظهور دولة جديدة سيقلب الموازين رأساً على عقب.
ما يهمّ أميركا استمرار الحرب على «داعش»، ولا يهمها إنْ بقي الكرد عبيداً ومظلومين. كما تخشى أن يتسبب الاستفتاء ونتائجه في تقديم بغداد وطهران ودمشق وأنقرة ترياق الحياة مجدداً لـ «داعش»، ردّاً على الصمت الأميركي حيال قيام الدولة الكرديّة. ثم إنه من غير المعقول أن تقول دولة عظمى إنها مع تقسيم دولة أخرى. ولكن بعد ظهور نتائج الاستفتاء، من غير المعقول أن تقبل واشنطن سياسة ليّ الذراع عبر «داعش» و «القاعدة» والإذعان للابتزاز والترهيب الإقليمي!
ما يهمّ بغداد، أن يبقى الكرد وكردستان ضمن الحظيرة العراقيّة، وأن يبقى العراق ضمن حظيرة الولي الفقيه الإيراني. ولا يهم الاحزاب المسيطرة على السلطة بناء دولة شراكة وطنيّة ذات سيادة واستقلاليّة عن إيران.
وما يهمّ أنقرة أن تبقى كردستان (العراق) البقرة الحلوب التي تدرّ عليها مليارات الدولارات، من دون أن يتحوّل هذا الإقليم إلى دولة، وتضطر إلى التعامل مع كردستان تعامل دولة مع دولة. وما يهمّ نظام الأسد أن يبقى نظامه، ولو على ألف متر مربّع، وألا يحال رأس النظام وحاشيته على محكمة الجنايات الدوليّة كمجرمي حرب. ولا يعنيه كثيراً انفصال كردستان عن العراق أو عن سورية أو عن البرتغال.
لكن ما يهمّ كرد العراق هو التحرر من حالة اللادولة.
إن المنطقة والعالم يعيشان هذه الأيّام حمّى مرض «كردستان-فوبيا»، وهنالك طريقتان لا ثالثة لهما في الشفاء منها: إما بقصف كردستان بالقنابل الذرية أو بالاعتراف بدولة كردستان. وأعتقد أن سيناريو الاستفتاء والاستقلال سيكون درساً ملهماً، و «بروفا» للشعب الفلسطيني أيضاً، في مواجهة العالم والمجتمع الدولي المنحاز للجلاّد ضدّ الضحيّة، بهدف إعلان فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس. كما سيكون طيّ الخلاف بين السليمانية وأربيل درساً لحركتي «حماس» و «فتح» للسير نحو تحقيق الحلم الفلسطيني.
 
 
* كاتب كردي سوري
http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/24251799

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…