لماذا نحن عنصريون؟

علي داوود
لماذا نحن عنصريون؟ ومن أين اكتسبنا هذه الصفة؟ وهل صنعناها بأيدينا وأنفسنا؟ أسئلة كثيرة تراود الكثير والكثير عن العنصرية، فما هي الأجوبة الكافية والمقنعة لكل هذا الكم الهائل مما يُسأل عنها. 
لماذا نحن عنصريون؟ 
لن أفتح ملفات هذا السؤال الآن، لكن السؤال الثاني «من أين اكتسبنا هذه الصفة؟» لا بدّ لي أن أقف عنده، وأبحث عن بدايات ظهور هذه الصفة اللعينة، فالجواب برأي الشخصي عنه، يكمن في أن «العنصرية وُلدت في السماء، تحديداً عند الملائكة».  
لا بدّ من الاستغراب من جوابي، لكن عند قراءتك عزيزي القارئ لسورة البقرة أو الاستماع إليها، كما فعلت هذا الصباح، ستلاحظ حقيقة ظهور العنصرية، ومَن بدأ بها. 
لا أريد أن أكتب الآية الكريمة التي تتحدث عن ذلك، لكن في مغزاها، أنه بعدما خلق الله تعالى سيدنا وأبانا آدم عليه السلام، أمر الملائكة أن تسجد لآدم، فسجدت الملائكة له، إلا إبليس أبَى واستكبر، ومن خلال الآية الكريمة نستنتج أن إبليس نفسه كان من أحد الملائكة، حينها قال: «لن أسجد لآدم، فهو خلق من الطين، وأنا خلقتُ من النار». 
إنه قول عنصري بحت، وهذا الكلام قبل نزول آدم وحواء إلى سطح الأرض، وقبل أن يخلق بني آدم على هذه الأرض، ولم يستغرق الأمر مدّة طويلة لتنزل العنصرية إلى الأرض بعد ما خُلق من آدم وحواء أبناء، لعلّ أول ظهور للنعصرية كانت عند قابيل وهابيل الأخوين، عندما قتل قابيل أخاه هابيل، وظهرت أيضاً بعد ذالك بفترة طويلة نوعاً ما، وبالتحديد عند طوفان سيدنا نوح، حين قام أحد أبناه بإنقاذ القاتل من الغرق وإخفاءه في السفينة، وهذا الابن نفسه تحول لجد لأحد أعظم السفاحين في القدم، عن (نمرود) أتحدث، ملك بابل لـ 400 عام، والذي حكم العالم جميعاً بطغيانه وأساليبه الوحشية في التعامل مع. أقرانه من البشر.
ربما هذه حادثة إنقاذ ذاك القاتل بعيدة قليلاً عن العنصرية، لكن ابن نوح أنقذ القاتل، والقاتل نفسه هو العنصري الذي لا يهتم بشيء سوى نفسه، ولا يهمه مَن يموت ومَن يحيا، وأيضاً أنجب ابناه، وهو بدوره انجب نمرود (استناداً في كلام الكثير من المواقع التي ذكرت أن نمرود ينحدر من أحد أبناء نوح).
وهل صنعناه بأيدينا وأنفسنا؟
لا.. ابداً. نحن اكتسبناه من السماء، لكننا كبشر حملنا على عاتقنا عملية تطويرها، فمنذ القِدم ونحن نطور بها إلى عصرنا الحديث المعروف بالقرن الواحد والعشرين، فنحن لم نصنع العنصرية، لكن مجتمعاتنا هي التي صنعت العنصريين، وهناك مثل أو حكمة منسوبة إلى ابن نباتة السعدي، تقول: “تعددت الأسباب والموت واحد”، إذاً العنصرية أيضاً كذلك، لها أسبابها وحتى أنواعها ونتيجة تطويرها دخلت كل مجالات حياتنا الدينية والسياسية والثقافية، وحتى الفن أيضاً، فأصبحنا نحن البشر نتفنن بالعنصرية، فنقول: (هذه اللوحة لفنان مشهور، لكنها تدل على عنصرية مفرطة. وهذه الكلمات الشعرية رائعة جداً لكنها عنصرية بحتة..). وكم تطورت حتى دخلت المنازل! حيث أصبح الأخ يمارس عنصريته ضد أخيه أو حتى الأب ضد أبناءه، فهي دخلت مجال الأسرة، يمكننا تلخيصها في إحدى أعظم القصص على مر التاريخ، أحد أعظم الشخصيات، بل أعظمها بنظري، قصة عزيز مصر يوزرسيف (يوسف بن يعقوب بن اسحاق)، الذي تجرع طعم الكراهية والعنصرية من أقرب الناس إليه، من عشرة أشخاص، وهم إخوته من بني كنعان، حتى وصل بهم المطاف إلى أن يرموه في قاع الجبّ، وزرف دموع كاذبة ونطق بكلمات كاذبة، قصة يوسف كاملة موجودة في مسلسل يوسف الصديق، أو في القرآن الكريم، السورة التي تحمل اسمه. 
هذه باختصار ما اسميه (العنصرية الأسرية)، هذا النوع من العنصرية قد تسبب أزمات نفسية، لكن بالنظر إلى العنصرية الدينية أو السياسية ربما أكثر نتائجها هي السفك بالدماء والقتل والشرد، كحال الكثير من الدول الآن، وعلى رأسها سوريا والعراق و عدّة بلدان أخرى. 
أيضاً لا بد من أن أذكر نوع آخر من العنصرية وهي العنصرية الوراثية، فإن سألتك الآن  هل أنت عنصري؟ بما ستجيب (نعم أو لا). جوابي على سؤالي الذي طرحته نعم أنا عنصري، وهذه العنصرية ورثتها عن أبي، وأبي عن جدي، وجدي عن جد أبي، أو كان له نظرة خاصة تجاههم، وتحولت هذه النظرة المجردة إلى عنصرية، ثم عنصرية مفرطة، ثم بدأت تتوارث، فوصلت إليّ، اكتشفت كل هذه الأمور عندما بدأت أتعرف جيداً على الحياة كيف تسير وآين نحن منها، وهنا تذكر بمجرد حملك نوعاً من الكره أو نظرة مستخفة تجاه شخص أو حتى شيء فأنت عنصري، لأن العنصرية ليست حكراً على البشر، نحن عنصريون تجاه الحيوان أيضاً، وحتى النبات وحتى الكثير من الأشياء الثابتة.
لماذا نحن عنصريون؟ 
هذا السؤال يستحق كل التفكير، لكن الإجابة عليه سهلة نوعاً ما، باختصار نحن البشر نعبد المصالح والمكاسب سواء كانت مالية أو معنوية، كل صباح وبمجرد استيقاظنا من النوم، نبدأ بمعركة بلا اسم، ننتصر أو نخسر، لا احتمال ثالث لهما، وبشكل عام يميل الإنسان إلى الانتصار، والانتصارات لا تأتي من تلقاء نفسها، لا بد من استخدام الحيل والرغبة والحنكة تجاه مَن تواجه، لكن إذا جمعنا الحيل والرغبة في الانتصار والحنكة في المعركة مع بعضها البعض، ألا نحصل على شيء من العنصرية تجاه العدو، الذي هو الآخر الذي لا يشترط  أن يكون من البشر دائماً، أحياناً يكون العدو هو الشيء القريب جداً، وأحياناً يكون جزاء منا، أي يكون عضواً في جسدنا، وأهم دليل على ذلك، المعارك الضارية بين العقل والقلب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…