صوت الخبز اليابس

إدريس سالم
كتبت شابة كوردية، في العشرينيات من العمر، منشوراً «بوستاً» على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عبّرت فيه عن فكرة خطرت في بالها، تتعلّق بمسألة جاذبية النوم ومقارنتها بجاذبية الأرض من حيث القوة التخديرية، أثناء مطالعتها للروايات والقصص والدواوين الشعرية، فجاء فيه: «جاذبية النوم تصبح أكثر من جاذبية الأرض، عندما أضع الكتاب في يديّ». 
أي، أنها تشعر بحاجة كبيرة إلى النوم، الذي أصبح بالنسبة لها مادّة مخدّرة، يحيط بها من كل اتجاهات الاستلقاء، تماماً كمسألة الجاذبية ومدى إحاطتها بالأرض، فجاءت التعليقات مختلفة، بين مَن علّق على تلك المسألة من باب الطرافة، وبين مَن علّقها بطرق جدّية علمية، إلا أن هناك تعليق مؤلم، لفت انتباهي، إلى درجة كبيرة، وهو تعليق الفنان والملحن وعازف العود الكوردي رشيد صوفي، والذي قال في تعليقه: «أصلاً في فصل الصيف النوم قليل. شدّة الحرّ. بَرْغَش¹. الليل القصير. نِباح الكلاب الصباحية التي هي بمثابة كورال جماعي. صياح الديكة. ثم صوت المؤذّنين النشاذ بينما تشرق الشمس ويحلّ علينا الصباح، حتى يبدأ دوام الذباب، وهكذا مصيبة تجرّ مصيبة. أصوات المولّدات الكهربائية، بما أن الكهرباء مقطوعة. وصياح أطفال الجيران، المؤلّف من سيمفونية مزعجة غير متآلفة من العياط على “أمي حمو أخد شحّاطتي، وشيرين تضربني، وآزاد كسّر قارورة السلس… الخ“. إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً».
يكمل بقلب مفعم بالغضب ورفض الواقع السيّء وعدم وجود أيّ مخرج للأزمات المتفاقمة في المدينة، والذي هو من أحد المواطنين الذين يتذوقون هذا الحال البائس: «إنها ليست بحالة، لا واللهِ. لا.. وأيضاً صوت الخبز اليابس، وكل هذا لا يكفي، وحركة المرور ذهاباً وإياباً على طريق باب المنزل المتكرّر!! “فاتورة الماء، فاتورة الكهرباء“ أضواء الكهرباء التي تزورنا فقط في اليوم ساعتين فقط. بكاء طفل الجيران الرضيع… الخ. ولا أعلم ماذا أقول بعد يا لينا!! ثم يبدأ طلاب الدورة الموسيقية، منهم صاحب العود والبزق، وهم يصعدون الدرج، ويقومون بدوزنة آلاتهم الموسيقية، والمزعج أصوات الكمنجات النشاذ وهم يتدرّبون (تجهيزاً للامتحان)، حتى تأتي عربة الخضرة، حيث صاحبها يصرخ “باذنجان، بندورة، كوسا، خيار، عنب… الخ“ إلى آخر العنقود».
لعل ما كتبته، الشابة الكوبانية لينا مصطفى، التي تملك موهبة غنائية وحالة ثقافية صاعدة، أثار في مشاعر عازف العود الكبير رشيد صوفي، والذي بدوره ومن خلال تعليقه، انتفض ضدّ هذا الحال القاسي والصعب، ليوضّح للذين يعيشون خارج الأسوار والحدود حقيقة الوضع الاجتماعي والإنساني، الذي يجري في أزقة مدينة كوباني وريفها، من انعدام في الخدمات التحتية، إلى الوضع المعيشي المزري، وحالة التشتت والتشرزم الفني والتعليمي والثقافي، وكلّ هذه الأسباب تؤثّر في حياة جيل جديد، لربّما سيضيع في مجهول معتم عميق، ما لم تضع المنظمات الإنسانية والحقوقية – الكثيرة العدد والعدّة – والعاملة في المدينة وأريافها حلولاً جذرية، قد تكون حاجزاً منيعاً لهذا الوضع المأساوي، الذي يعيشه أهالي مدينة كوباني، وهم لا يملكون من الحيلة والحلّة والقوّة شيء، انقطاع للماء والكهرباء وبشكل مستمرّ، والإدارة المؤقتة التي تدير شؤون الناس، لا تتبنّى أيّ حلول وآفاق للحلول، رغم أنها تملك إمكانيات مالية ضخمة، توازي إمكانيات نصف دولة، وعدم وجود رغيف الخبز ذو الطعم الجيد، جراء سلسلة القرارات الجائرة بحقّ المخابز والموزّعين والبائعين، حيث الارتفاع الكبير لأسعار الخبز، والخبز في النتيجة الأخيرة خبز يابس، ومن المحتمل ألا يأكله الدواب، وعلينا ألا ننسى بأن موسم القمح لهذه السنة كان وفيراً جدّاً. 
مَن يقرأ – على خلاف القرّاء – تعليق الفنان رشيد صوفي بعمق شديد، سيدرك حتماً أيُّ واقع بائس مجهول يعيشه الناس، سيشعر بحالهم وأحوالهم، سيكون جواباً لكلّ مَن يسأل عن أخبار المدينة وأحوال الناس والظروف المحاطة بهم، وهل سيعودون لبيوتهم وهم يتذوّقون كل هذا الذلّ والإهانة والتعب والأعمال الشاقة واستغلال حقوقهم من الأتراك وكورد الشمال، لأن الجميع يسأل للذين يعيشون في المدينة المحرّرة المحتلة، التي أصبح الكلّ يتعامى عنها عند الآلام والمصائب، ويبصر عليها عند فتح آفاق فرص العمل وجني الأموال، وهو مختصر، ما أودّ قوله والإفصاح عنه، لأن الألم العميق، الذي أحسّنا به أحد عمالقة الفنّ الكوردي، من خلال عبارته “صوت الخبز اليابس“، هي ألم مدينة بكاملها، قضية وشعباً.
ــــــــــــــــــــــــ 
بَرْغَش: جنْسُ حَشَرات، مُضِرَّة، مِن فَصيلة البَعُوضيّات، ورُتْبة ذَوات الجَناحَيْن. صَغيرةُ القَدّ. جِسْمُها وقَوائمها إلى السُّمْرة. تَنْقُب الأُنْثى الجلْد وتَدفَعُ بسَائلها اللُّعابيّ في داخِله وتَمتصُّ دَمَ الإنْسان، وتَنقُلُ الأَمْراضَ الخَطِرَة خُصوصاً الكُوليرا والملاريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…