المؤخرة الكُردية والخوازيق الأمريكية !

 ابراهيم محمود
ربما تستثير مفردة” الخازوق ” بتاريخها السيء الصيت نفور الكثيرين من كردنا، وهم محقّون في هذا الجانب، ولكن ما ذنبي إذا كان الخازوق حقيقة سلطانية حُكمانية مبتدعة منصوبة عالياً برأسها السهمي، وأن المؤخرة حقيقة عضوية تاريخية تُرفَع عالياً ليُنزل بها سريعاً أو على مضض، حيث يخترقها الخازوق؟ والخازوق من الخزق. ثم ألم يستشعر قباني ذات يوم:
عفواً فيروز ومعذرة  ناقوس العودة لن يُقرَع- خازوق دُقَّ بأسفلنا  من جبل الشيخ إلى سعسع
وتاريخ الكرد مشهود له بكثرة الخوازيق وتنوعها وأصنافها، مذ وجِدوا، وهم من يشهدون على ذلك بذلك، هم من يرددون على مدار الساعة سراً وعلانية: خوزقونا.. خوزقونا: أي الأعداء!
أولو أمر الكرد، وممن يهتم بأمرهم من بينهم، على بيّنة تامة من أمر هذه الخوازيق تاريخياً، حيث إن الانتقال من فجيعة إلى أخرى، أو انتكاسة إلى أخرى، أو هزيمة سياسية، أو مؤامرة سياسية إلى أخرى، لا يعدو أن يكون انتقالاً وتنقلاً بين خوازيق متفاوتة الأحجام والإيلام. ولكي نتحرى أمر التاريخ طويلاً، ونقارب حقيقته، يكفينا ” شبع خوازيق “، التذكير بالأمس القريب وحتى اليوم ما يجهَّز من خوازيق على مقاسات أولي أمر الكرد هؤلاء.
من الخازوق العثماني المتنوع القياسات، إلى الفارسي المختلف بأسمائه وطبيعته، إلى العربي بمصدره وطريقة استعماله، وهي خوازيق باتت فولكورية، حيث يبدو، وربما يظهر، أن المؤخرة الكردية البائسة هذه، قد اعتادت مؤالفة خوازيق كهذه وليس كيفية التحرر منها.
لعل الكرد المعنيين بهذه العلاقة يتعاملون بصورة مغلوطة تماماً مع التاريخ. فعلى طريقة: بدلاً من أن نخرج التاريخ من عقولنا علينا أن نخرج عقولنا من التاريخ، طبعاً لنحسن التعرف عليه، ما يجري هو أنهم بدلاً من يخرجوا مؤخرتهم من الخازوق، يحاولون سحب الخازوق من مؤخرتهم، وهي استحالة منطقية، عدا عن كونها تأكيداً على التباس العلاقة مع ” الخازوق “.
غير أن سلسلة الخوازيق التي أصيبت بها المؤخرة الكردية في العصر الحديث منذ الخازوق المبارك على يد كل من سايكس- بيكو، يصعب حصرها في ألوانها وأشكالها وتوجهاتها.
سوى أن لأميركا أرقاماً قياسياً في خوزقة المؤخرة الكردية، وربما كان لها يد في تطويب فعل الخازوق السايكس- بيكوي، وفي كل الخوازيق التي شهدت مآس تعرض لها الكرد، كان الكرد في جملتهم، بالمفهوم الشعبي هم هدف هذه الخوازيق، كما لو أن عدم التعريض لخازوق بين الحين والآخر، يخرج الكرد من التاريخ الفعلي، لكأن تأكيد الكرد، وبعظمة ألسنة ساستهم على أنهم ضحية القدر، إنما يضفون على الخازوق طابعاً من القدرية المرغوبة والإدمان عليه.
الخازوق الأميركي والذي لم يتوقف عن إبقاء المؤخرة الكردية مشهرة منفرجة الفخذين عالياً، هو الأشهر في هذا المقام، وهو ما يؤسف له، أو يثير السخط.
إن مقولة ماركس: التاريخ يكرر نفسه وفي المرة الثانية كمهزلة” طبعاً في الأولى كمأساة “، تكاد تنطبق على المؤخرة الكردية هنا حرفياً، وهي أنه إذا كان الخازوق الأول يعتبر عامل مباغتة ومؤامرة، ويعايَن مأسوياً، فإن الثاني والذي يترافق مع غفلة الكرد عما هم عليه، وجهلهم بأدوار أعدائهم، ليس أكثر من خازوق لا يستهان به، يدمي ويعمي ويغمي بالمقابل.
لكأني بالكرد الذين يراهنون على الخازوق الأميركي، يقولون: طريقنا إلى تحرير وتوحيد كردستان يمر عبر الخازوق الأميركي، ولكأن أميركا التي يتخوَّف منها كثيراً، لم تدخر جهداً في تحيُّن مختلف الفرص لتوجه خازوقها صوب المؤخرة الكردية وبالصوت والصورة.
وفي الوقت الذي يعلم سياسي الكرد ومثقفهم المعتبَر؟ ومنظّرهم الرسمي؟، مدى خيبة الكرد بأميركا مذ عرِفت قبل أن تحل في المنطقة عسكرياً، فإن ما يضعهم في خانة” بيستاهلوا ” ومن باب الأسى والأسف، هو أنهم لا يصدقون كما يظهر أن لدى أميركا خوازيق متعددة المقاسات لشعوب وأمم مختلفة، وأن الخازوق المخصص للكرد، وقد تعتَّق، مميَّز عما عداه، وهو يحمل دمغة الولايات المتحدة الأميركية، وكلهم يقين، أو يكاد، أن العم سام هو في مقام بابا نويل، لا بد أنه قريبأ سيأتي بالخبر المفرح للكرد بصدد الدولة الكردستانية الموعودة.
غير أن الوقائع في مجملها تشير إلى أن الذي يُرصَد في الأفق المنظور، ويلمع، ليس أكثر من خازوق يجدَّد، ومن مقاس مختلف، ليحل محل سابقه، وهو في انتظاره لاحقه، وأخشى ما أخشاه هو أن يكون الخازوق الموقَّع عليه ترامبياً  والمحضَّر على علم منه، أكثر رعباً وكارثية من كل خوازيق أميركا في المؤخرة الكردية، تكون وقعتها مميتة بشكل غير مسبوق، وهذا التأكيد يتناسب طرداً مع من يجدون متعة فائقة، ولو بتكتم من الكرد في هذا المشهد الآلم والأليم، أي من يسهّلون عملية الخوزقة والتخوزق، بما يتناسب حدود المهزلة التاريخية عينها .
دهوك في 23-6-2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…