“الوطن وطننا والانتقام وعدنا”

عبدو خليل
تحت هذا الشعار تجوب ثلة تعرف بالشبيبة الكردستانية التابعة للعمال الكردستاني المناطق الكردية في سوريا منذ قرابة الشهر، وتناقلت وسائل إعلام الكردستاني تلك الأخبار وصور الاستعراضات بكثافة، وكانت عفرين محطتها الجديدة قبل يومين، وهي نفسها التي تحدت البوليس الالماني واشتبكت معه يوم أمس في برلين ظناً منها أن كل الساحات مباحة لصلافتها وسطوتها، وهي ذاتها التي احرقت مكاتب بعض الاحزاب في القامشلي وتعرضت بالضرب للمتظاهرين، والسؤال المهم الذي يتبادر للأذهان ما المغزى من هذا الشعار الجديد “الوطن وطننا والانتقام وعدنا” وفي هذا التوقيت .
 لن يختلف اثنان حول دلالة كلمتي ” الوطن وطننا ” بالتأكيد واضحة ومفهومة ومحبوبة للقلوب وتجذب كل ذي نخوة وحس وطني، ولكن هذه ليست سوى مقدمة القصة للإيقاع بالضحية في حفرة الانتقام ، لذا تم إلحاقها مباشرة بكلمة الانتقام التي لا تدل سوى على ثقافة تنتمي للقرون الوسطى وتتقاطع في جانب أخر منها مع ثقافة الانتقام التي توارثتها بعض الطوائف في المنطقة على مر التاريخ.
 والأهم من كل هذا لمن هذا التهديد والوعيد مجدداً. الواضح والصريح، ألم يشبع هؤلاء من قصص الاعتقال والنفي والقتل ؟ هل المقصود به من تبقى في مناطقنا من المدنيين والعجائز والمعترين ؟؟  ولماذا هذا التصعيد الذي يأتي بعد سلسلة الضرائب والإتاوات الجديدة ؟؟
حقيقة  المفردة مفتوحة على كل الاحتمالات و هي كمفهوم ومصطلح اجتماعي. أي الانتقام، بحد ذاته مقزز وخارج عن سياقات ثقافتنا ككرد سوريين، وقد تكون أقرب لثقافة كرد تركيا و تتوارد كثيراً في ثقافتهم واحاديثهم، ويكررها الأتراك أيضاً في افلامهم حتى الرخيصة منها والكثير منها يحمل مدلولات تلك المفردة. المقرفة، وهذا ما يفسر أن مشرفي تلك الاستعراضات هم من كرد تركيا. حصراً، وهي كذلك تذكرنا أيضاً بانتقامات حزب الله التي كانت تنعكس بالنهاية على الشعب اللبناني خراباً ودماراً. ناهيكم عن أن مظاهر الملثمين والمسلحين والهتافات الانتقامية لهذه الشبيبة وهي تجوب شوارع المناطق الكردية والتي من المفروض أن يكون مكانها جبهات القتال. ليس سوى شكل من أشكال الإرهاب بحق المدنيين والأطفال الرازحين تحت وطأة العوز والفقر والحرب وسلطات الوكالة. تماماً مثلما تفعل داعش والنصرة في مناطق تواجدها وسيطرتها، لدرجة أن بعض رجال الدين المحليين هناك خرجوا عن طورهم وكفروا بالجهات الأربعة.
خلاصة القول وبعجالة . نجاح العمال الكردستاني في الدخول للعبة محاربة الارهاب لقاء الحصول على بعض المعونات العسكرية والمالية، ومع بالغ الأسف. لا ينعكس سوى بالسلب على كرد سوريا، ليس فقط بسبب خلق المزيد من التوتر مع المحيط الكردي المضطرب إنما بسبب عقلية الانتقام التي يمارسها العمال الكردستاني بحق ابناء جلدته المختلفين معه. هذه الانتصارات لم تجلب لنا سوى المزيد من البطش والتنكيل، وما نراه من استعراضات يأتي ضمن هذا الإطار من مفهوم عرض القوة والعضلات لإذلال الشعب الكردي في سوريا وإلحاقه بالمشروع المافيوي لحزب العمال الكردستاني، هذا المشروع الذي يتنقل اليوم ما بين النظام السوري وايران وامريكا وروسيا وقريبا ربما يلبس الجلابية الخليجية والشماخ. تلك السمة التي يعتبرها البعض إنجازاً وبراغماتية تفوق ما طرحه ميكيافللي. في الواقع كل هذا ليس أكثر من مغامرة ومجازفة بمصير شعب بأكمله.
 ختاماً، وعلى ضوء الاستعراضات الأخيرة لشبيبة العمال الكردستاني والتي تميط اللثام عن جوهر ثقافة الانتقام بحق المختلفين تغدو كل التبريرات ليست أكثر من ذرائع مرفوضة، وما تسويفات بعض المثقفين والاعلاميين سوى خذلان من تبقى من أهلنا في الداخل وتركهم بين براثن هؤلاء الزعران، واليوم. ليس ترفاً ثقافياً ولا تشدقاً، عندما نتطرق ونرفع الصوت ونكشف عن هكذا سياسات، إنما لأن التزام الصمت والنأي بالنفس تحت حجة وكذبة الحياد أو الانتساب لمنظمات مدنية وحقوقية لم تعد تستر العورات المكشوفة أمام حجم الكارثة . 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…