العلاقة الجدلية بين المجتمع المدني والدولة

سلمان بارودو

 

هناك حالتان أساسيتان لا يمكن القفز عليهما وتتلخصان، إمكانية المجتمع المدني أن يكون مسانداً للدولة أو معارضاً لها.
ففي الحالة الأولى يشكل المجتمع المدني مصدر الشرعية عبر مشاركة منظماته وفئاته الاجتماعية المختلفة في صنع القرار.
أما الحالة الثانية التي تتصدى الدولة بجهازها ومؤسساتها القمعية لكل أشكال الاضطراب والثورة، تبدو الدولة وكأن المجتمع هو الذي وجد من أجلها لا العكس.

ملاحقة التجمعات والتنظيمات المدنية بشتى وسائل الرقابة والقرارات التي تأخذ في النهاية صيغة حقوقية شرعية هي القوانين والأوامر.

بهذا المعنى يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر: ” الدولة هي احتكار العنف الجسدي المشروع ” والدولة بهذا المعنى أداة تنظيم تنطوي على ثنائية السلطة والجهاز.
نلاحظ ما سبق تداخل وتفاعل الدولة والمجتمع المدني عبر توافقهما تارة وعبر تعارضهما تارة أخرى، فالدولة تنظم تعاملات الأفراد من خلال القوانين والقواعد، كما أن المصالح الخاصة يمكن أن تخترق نظام الدولة وتحتل وظائف معينة فيها.
والعلاقة الجدلية المبنية على الحوار والاعتراف بالآخر، القائمة بين السلطة السياسية الممثلة بالدولة وبين التنظيمات والأحزاب الممثلة للمجتمع، هي ضمان عدم تصلب النخب الحاكمة وتفردها بالسلطة.
حيث يشكل المجتمع المدني مع الدولة ما يعرف بالمنظومة السياسية في المجتمع.

وبهذا المعنى قال غرامشي: “الدولة هي المجتمع السياسي زائد المجتمع المدني” فبينما يحتوي المجتمع المدني على التنظيم السياسي للمجتمع بأحزابه ونقاباته وتياراته السياسية، تحتكر الدولة السلطة السياسية عبر أجهزتها ومؤسساتها المختلفة.
بهذا المعنى تكون العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي علاقة جدلية.

تستمد الدولة عبرها المشروعية من المجتمع المدني من خلال عمل آليات السيطرة والتحكم والتوجيه من جهة، وعبر الإقناع والقبول والرضا من جهة ثانية.
حيث أن المجتمع المدني يضم الأحزاب السياسية إضافة إلى المنظمات والنقابات والمؤسسات الأخرى، أي أن له بعداً سياسياً وهو يحتوي على التنظيم السياسي للمجتمع ككل.
ففي الوقت الذي يشتمل المجتمع المدني على الأحزاب والتنظيمات السياسية يختص المجتمع السياسي بالسلطة السياسية بمعناها الممارس.
ففي المجتمعات الديمقراطية لا تنحصر السلطة السياسية بالائتلاف الحاكم وأحزابه، حيث تشكل المعارضة ما يشبه حكومة الظل وتمارس سلطة سياسية بطرق غير مباشرة لكنها فعالة في أحيان كثيرة.

والمهم هو تنظيم العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي بما يخدم تطور المجتمع ككل.
فالمجتمع السياسي يوجه قطاعات المجتمع المدني المختلفة عبر الآلية القانونية والقضائية للدولة، بما يكفل حق أفراده وحريتهم في المبادرة والعمل وفقاً لأحكام الدستور، في الوقت الذي يمنح المجتمع المدني المشروعية للسلطة السياسية وهي إحدى أهم أسباب بقائها واستمرارها.

بصيغة أخرى لا بد من رصد التفاعل المتزايد بين المدني والسياسي ونبذ جميع الاحتواء والتهميش أو الإقصاء لأي منهما على حساب الآخر.
لا يحسبن أحد أن المجتمع المدني هو الحل الناجز لكل القضايا والمشكلات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، وهو ليس مفهوماً خلاصياً أو وصفة يمكٌن تعاطيها وتداولها من تجاوز الراهن المأزوم إلى مستقبل مأمول.
إنه بصفة أدق حقل للتنافس وفضاء للصراع، وميدان للعمل القوى الاجتماعية ذات المصالح والرؤى والمواقف المختلفة بل والمتناقضة، ميدان منفتح على ممكنات عديدة واحتمالات متعارضة، يتوقف تحقيق بعض منها دون البعض الآخر على إمكانيات وبرامج وتحالفات تلك القوى، أي أنه نتاج تشابك علاقات القوة والسلطة والمعرفة بتغير حواملها الاجتماعية واستراتيجيات إدارة الصراع، التي يتبناها كل طرف.
وهذا يعني أن المضمون السياسي والإيديولوجي للمجتمع المدني ليس معطى متجانساً محدداً سلفاً، بل يتشكل ويعاد بناؤه في كل مرحلة انطلاقاً من موازين القوى الاجتماعية المكٌونة له.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…