ولاءُ الكلابِ والشعب للسلطة (2)

ماجد ع  محمد
في الجزء الأول من ثنائية هذه المقالة أكثرنا من الأمثلة والشواهد عن الكلاب بشبعها وجوعها وولائها، وبما أن المادة التي بين أيدينا تتمة للأولى، لذا أبقينا العنوان على حاله طالما كان المضمون عينه، ولو أننا لن نذكر ههنا الكلاب كفصيلٍ معني بالولاء لأهله وأصحابه كحال جيرانه الأوادم.
إذ أن شعور التذمر العام في المناطق الكردية من التصرفات الخرقاء لأنصار حزب الاتحاد الديمقراطي وأجهزته العسكرية والأمنية، تجلى في إجبار الناس للتوجه إلى جبهات القتال رغماً عنهم، والذي أفضى ويفضي غالباً إلى الموت مجاناً في مناطق يرون بأنهم غير معنيين بها، 
وكذلك تشديد الخناق على من تبقى من المدنيين، وآلية عمل مجمل المنظمات الغير حكومية المعنية بالأعمال الخيرية والإنسانية، وعموم الجمعيات العاملة في مناطق نفوذ الإدارة الذاتية، والتدخل في كل شاردةٍ وواردة، وفوق كل ويلات الحرب وتبعاتها اليومية على حياة الناس، الإكثارَ من الضرائب والأتاوات، وحيث كان من نتاج تلك السياسة الخرقاء، هجرة معظم الطاقات المنتجة والفاعلة والحية من مناطقهم، والتوجه إلى شتى بقاع العالم، وتفريغ المناطق الكردية من سكانها بسبب الأحكام القراقوشية لتلك السلطة، إذ أن كل ذلك أعاد إلى أذهاننا ما حل بالرعية في ظل حكم الملك الجائر في المسرحية اللبنانية ناطورة المفاتيح* حيث كان ملك مملكة سيرا قد أعلن عن فرض ضريبة جديدة، سماها “حصة الملك” التي تخوله الحصول على نصف ممتلكات وأرزاق رعيته، علاوة على الضرائب العادية المفروضة عليهم، وبالتالي فإن كل من لا يذعن للأوامر الجديدة له، يؤخذ للعمل بالسخرة حتى يتمكن من دفع حصة الملك، وفي سياق المسرحية يحاول (جاد الحكيم) أن يخبر الملك بأن الحمل بات ثقيلاً على الناس، وأن نتائج ذلك قد تكون خطيرة وكارثية على مستقبل المملكة، لكن الملك كان عنيداً واستمر في استبداده، واثقاً من جبروته وسيطرته على الأمور، وليثبت تلك الثقة العمياء بقوته استدعى صديقاً قديماً له وهو (مراد الأسمر) حتى يركع أمامه ليربي الناس من خلاله، إلا أن الأخير عندما رفض قرار الملك، أمر  بسجنه هو وأبنائه الثلاثة لمدة 25 سنة، حيث دلت تصرفات وأوامر الملك  في المسرحية أنها بعيدة عن المنطق والإنصاف، ولا تمت للعدل بصلة، بل كانت أقرب إلى الهلوسة والجنون، عندها قرر أبناء المملكة الرحيل عن بيوتهم وعن المملكة كما فعل معظم الكرد في (روج آفا)، عندئذٍ وجد الملك نفسه في النهاية فقط برعيّة واحدة يحكمها، وهي (زاد الخير) التي بقيت وحدها من سكان المملكة، وحيث ترك الأهالي معها مفاتيح بيوتهم، عندها أمر الملك بإطلاق سراح جميع المساجين، حتى يكون لديه مواطنون لكي يحكمهم، لكنهم أيضاً لاذوا بالفرار من المملكة بعيداً عنه بسبب عسفه وسوء معاملته، تاركين الملك لـ: (زاد الخير)، فأدرك الملك وقتها بأن المملكة بدون الناس الذين هربوا من طغيانه لا معنى لها، خاصةً وأن زاد الخير هي الأخرى هددته بالرحيل عن المملكة وتركه بدون رعية، عندها نزل الملك عن عرشه، ليقرع أبواب البيوت المهجورة، ويصرخ متوسلاً لهم أن يعودوا، حيث تنتهي المسرحية بعودة الناس إلى بيوتهم وإلى حكمٍ أكثر عدلا.
ومع أن عودة الناس لم تعد سهلة في حال المناطق الكردية إذا ما تخلت الإدارة عن سطوتها وتخلفها في التعامل مع السكان، باعتبار أن الكرد تشظوا في بقاع العالم، إلا أن الذي يبقى موضع التساؤل هو قدرة حاخامات وأبواق الإدارة الذاتية من المثقفين الموالين له، إضافة إلى جماعة الخط الثالث الذين يُحمّلون المُطارَد والمطارِد نفس المسؤولية، وذلك بأن يقدروا على التأثير في قرارات وسلوكيات الإدارة الذاتية المؤقتة على أن تعيد حساباتها وتحاول طمأنة من تبقى من الناس، وكسب ثقتهم حتى لا يفر من ظل منهم مع استمرار طيش وعنجهية واستفراد قادة وكودار وبلطجية الحزب الذي يشبه كل شيءٍ إلاّ اسمه! 
وبما أن ثقة الناس بالسلطة الحاكمة هي أساس بقائها، تطورها، استمرارها أو تقهقرها، ففي الخاتمة سنذكر مثقفي ذلك الحزب وكل من لا يزال يعوّل على الإدارة الذاتية، بحدوتةٍ جوهرية للفيلسوف الصيني كونفوشيوس يتحدث فيها عن ثقة الشعب بالسلطة، حيث يُقال بأن أحد الأمراء سأل كونفوشيوس قائلاً: ماهي العناصر الثلاثة التي تراها ضرورية للحكومة الكاملة؟ فأجاب كونفوشيوس: إنها كفاية الغذاء، وكفاية الجنود، وكفاية من ثقة الشعب، فقال الأمير عندئذ وماهي العناصر التي يمكن الاستغناء عنها؟ فأجاب كونفوشيوس: الجنود أولاً، ومن ثم الطعام، أما إذا ذهبت ثقة الشعب فلا شيء يبقى” وهنا نتساءل فيا ترى هل هنالك 5% من سكان كانتونات الاتحاد الديمقراطي لا يزالون يثقون بما تقوله لهم تلك الإدارة وأولئك المعجبون بتجربتها؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ناطورة المفاتيح: هي مسرحية غنائية لبنانية بطولة السيدة فيروز، قُدمت في بعلبك ودمشق عام 1972، وهي من تأليف الأخوين رحباني، تمثيل: زاد الخير: فيروز، الملك: أنطوان كرباج، الملكة: هدى، القائد: جوزيف ناصيف، جاد الحكيم: وليم حسواني، مراد الأسمر: جوزيف صقر،  بربر: نصري شمس الدين،  ديك المي: ايلي شويري،  صبية من الحي: جورجيت صايغ.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمد دلي تناولتُ قبل عشر سنوات مسيرة الحركة الكردية في سوريا في مقالٍ نشِر في موقع “ولاتي مه” وغيره، تحت عنوان «الاستحقاق النضالي»، الذي تركز منذ عام 1957 حول إثبات الوجود الكردي ومواجهة السياسات الشوفينية لنظام حزب البعث ومشاريعه الممنهجة ضد الشعب الكردي. ورغم محاولات توحيد الصف والتحول إلى فاعل سياسي وعسكري أثناء ما عرف بالثورة السورية، بقيت هذه الحركة…

خالد السينو Khaled Al Sino لا يبدو موقف الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كردستان من اندماج قسد بالدولة السورية موقفا جديدا أو مفاجئا .. فهو امتداد لتحذيرات قديمة من أن يتحول القرار الكردي في سوريا إلى جزء من صراع إقليمي أكبر، لا يملك كرد سوريا التحكم في مساره أو نتائجه. لم يكن اعتراض الرئيس البارزاني على مقاومة داعش أو على…

المحامي رضوان سيدو منصب مستشار لرئاسة الجمهورية هو وظيفة استشارية تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية لتقديم الرأي و الخبرة المتخصصة و لكن لا يحمل المستشار أي صلاحيات تنفيذية مستقلة . – يصدر تعينه بمرسوم أو قرار رئاسي . – يتبع المستشار مباشرة لرئيس الجمهورية و لا يخضع لسلطة رئيس مجلس الوزراء أو الوزارات . – لا يملك المستشار حق إصدار قرارات…

حسين جلبي @HusseinJelebi ينبغي للحكومة السورية التعامل مع ملف “وحدات حماية المرأة” التابعة للبككة بطريقة مختلفة عن تلك التي يطالب بها القائمون عليها. فالمقاتلات معظمهن في الواقع مجندات قسرياً، جرى خطفهن وتجنيدهن عندما كن قاصرات، وقد تعرضن لغسيل دماغ ايديولوجي مستمر، فأصبحن لا يفقهن شيء سوى الولاء للبككة وحمل السلاح، لذلك بدلاً من ضم الوحدات إلى/دمجها في وزارة الداخلية،…