عصام الخفاجي وكتابته المؤلمة عن اجهاض وتسليع حلم كردستان

اكرم حسين 
تحت عنوان «حين يجهض الأكراد حلماً جعلوه سلعة اسمها كردستان » كتب  عصام الخفاجي في «الحياة» في 8/2/2017 ما يلي: « اختزلت كردستان الزمن، فأرست أسس دولة مشرقية قومية شبيهة بالدول التي حكمتها النظم القومية العربية. لم تصبح كردستان دولة رسمياً بعد، لكن نظامها السياسي قطع أشواطاً بعيدة نحوالتماثل مع النظم الناصرية والبعثية والقذافية التي لم يتبقى منها غير نظام الأسد في سورية وهذه نظم لا تنشأ من فراغ بالطبع ،بل هي تبني على شعور شعبي عارم بأن التاريخ السابق كان فاسداً لأن البلد كان خاضعاً لنفوذ أجنبي مباشر أو غير مباشر ولا بد من قيادة وطنية تستعيد استقلاله الذي سيكون إكسير التقدم وحلاّ للمشكلات الكبرى»
«اختزلت كردستان الزمن، كما قلت.
 لم يجرؤ عبد الناصر أو قادة «البعث» الأوائل على استخدام الأمن القومي حجّة لإيلاء أبنائهم وأشقائهم مراكز عليا في السلطة إلا بعد أن ثبتوا أقدامهم في السلطة بعد عقد أو نحوه. أما في كردستان التي لم تصبح دولة بعد، فإن ابن رئيس الدولة السيد مسعود بارزاني هو مستشار الأمن القومي وابنه الآخر قائد قوات البيشمركة وابن أخيه رئيس الوزراء وخاله وزير الخارجية والمالية السابق في بغداد»
لا يخفى على الخفاجي بأن حركة الفكر ترتبط بحركة الواقع تباعاً او استباقاً ، وبالتالي يعمل من  العنوان على صفع القارئ ونعي حلم كردستان ، او «حتمية» فشل الكيان القائم لأنه يماثل التجارب المشرقية القومية العربية عبر فعل متعمد،  وباستخدام حجج غير كافية ، قد تربك القارئ وتقنعه بالمشروعية النظرية للفعل «التدنيسي» الذي يقوم به الخفاجي عبر اللعب على مشاعر الاستئثار بالمناصب وشيطنة الاخر،  بعيدا عن ما عاناه الكرد على ايدي القوى الفاشية والمتعصبة من الترك والعرب والفرس.
بتجريد مفرط و تغييب قسري للتاريخ ، يتناول الخفاجي الوضع في كردستان منطلقا في تحليله من النموذج الغربي للدولة ، فهو ينتقد الوضع في كردستان ، دون نقاش طبيعة المرحلة ، أو التوقف عند البعد التاريخي والعوامل الموضوعية ، وهي فكرة قد تكون  شجاعة ،  لكنها ورطته  في اماكن اخرى ، لأنه بتحويل كردستان الى سلعة ينهي بالتأكيد حلم الكرد، ويدفعهم الى التخلي عن  الدولة الكردية لأنها « سلعت» رغم ان الكرد دفعوا في سبيلها المئات من الشهداء وتعرضوا الى القمع والتنكيل.
قد يكون ما يجري اليوم في كردستان عبارة عن « وعكة ديمقراطية » لكنها ليست كما يتصورها الخفاجي فهو يقر بوجود برلمان وتعددية حزبية وسياسية وبالتالي حديثه عن تحكم الحزب الواحد والقائد الواحد والاستئثار نافل لا قيمة له.
كردستان لم تصل بعد الى مرحلة الدولة ولم تمتد في الزمن ،لا بل انها «اختزلت» الزمن بالضبط كما يقول الخفاجي نفسه، وقد تعيش اليوم حالة من الهشاشة المؤسسية الفعلية التي قد يؤثر على تطورها، لكن التراكم المؤسسي «الناقص»  سيؤدي بالنتيجة الى نوع من «الصلابة» المؤسسية والتراكم المعرفي من البناء والديمقراطية التي تستند الى التجربة الحية.
فانشطارات الهوية والجغرافيا و«اعباء» التاريخ تدفع بالرئيس مسعود البارزاني اليوم الى الاعتماد على بعض اقربائه الذين انخرطوا في العمل السياسي والعسكري منذ سنوات  بصفتهم بشر، يمكن استخدامهم وتكليفهم كما الغير، خوفا من انزلاق الصراع الى صراع هوياتي او مناطقي ، لان ما يجري من صراع يهدد الكيان- الدولة بسبب «البروبوغندا» المضادة والمعادية للدولة ، تجعل الأولويات «مختلفة» فقيام الدولة وتعزيز وجودها بات الهاجس الاول لدى الكرد ، وليس شكل الدولة او نظام الحكم او الحزب او العائلة الحاكمة.
صحيح هناك اخطاء حدثت وستحدث لاحقا –كما في أي دولة- على صعيد التخطيط ،والاعتماد على الاستيراد والسياحة  والانتاج الاستهلاكي ووجود حالات فساد كما نوه اليها الرئيس البارزاني نفسه، لكن الاصح بان كردستان قد حققت انجازات كبيرة في مجال العمران والتعليم واستخراج النفط  وكذلك في بناء علاقات سياسية واقتصادية متينة مع اغلب دول العالم، حيث يتوافد الرؤساء والوزراء يوميا وتعج هولير بقنصليات كبريات الدول ، ويستطيع الرئيس مسعود البارزاني ان يقوم بتصحيح المسار لما يحظى به من مكانة وحكمة وبعد نظر في التعامل مع الواقع الكردي والاقليمي والدولي ، وشجاعة في مواجهة الارهاب بتواجده في جبهات القتال ،الى جانب اخلاصه وتواضعه وصدقيته ، كل هذا الى جانب الصفات الاخرى تجعله قادراً على القيام بهذه المهمات وقيادة العملية التاريخية والاصلاحية التي يتطلع اليها الكرد في كل مكان .
من الاجحاف مقارنة تجربة كردستان الفتية مع «  النظم الناصرية والبعثية والقذافية » لان الدولة استندت فيها الى تاريخ من البيروقراطية عندما اسست التجارب السابقة ولذلك تحولت الاولويات ، لكن هاجس الكرد اليوم  ليس فكرة حكم القانون والديمقراطية، بل الهاجس الاوحد لدى الجميع هو قيام كردستان. 
ان اتهام البارزاني باستخدام الشعور القومي من أجل «منح بُناة الدولة القومية السلطة الكافية لاتّخاذ إجراءات استثنائية تتطلّبها المرحلة… » يأتي بغرض استثارة الشعور القومي المضاد ، و النيل من شخصه وموقعه ، لأنه بات الاب الروحي للبشمركة ورمزا للنضال وعنوانا للمشروع القومي والدولة القادمة ، فما يتعرض له من استهداف وتشهير ما هو الا غطاء وتمويه للموقف الذي يقف في وجه الدولة الكردية التي ارتبطت باسمه ، في محاولة « ايقاظ » النزعات الكامنة  والصراعات الثانوية بعيدا عن قضية الدولة واستقلالها .
استطاع البارزاني الاب ان يؤسس لمفهوم القومية الكردية في العصر الحديث منذ انتفاضة بارزان 1930 وان ينقلها من مفهوم نخبوي مشرقي الى مفهوم شعبي كما غذى الامل ورفع سقف الطموحات ، وكان للرئيس مسعود البارزاني دور كبير في بث وتماسك الروح القومية بعد نكسة 1975واثبت اليوم حنكته كقائد تاريخي واستطاع اجتياز كل الحواجز، كما افلح في ايصال كردستان الى مرحلة من الاستقرار والسلام ، وكان له دور كبير في تشكيل العراق بعد2003 وبناء علاقة متوازنة وصحية مع كل دول الجوار ومع الغرب الديمقراطي. 
قد لا تكون كردستان دولة مواطنة كاملة وحقوق متساوية ، لكنها الاكثر مدنية في النظام الشرق اوسطي القائم بعد اسرائيل .
نشرت في صحيفة كوردستان العدد (555) تاريخ 1-3-2017

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…