البارزاني وتوافق الأعادي

ماجد ع  محمد
 
بما أني تحدثت في مقالٍ سابق عن “كراهية الأبوجيين للعلم الكردي” أي علم مهاباد تحديداً، لذا لن أعيد تكرار ما قلته هناك، وسأتحدث ههنا فقط عن التوافق اللاشعوري للعَدوّين وامتعاضهم من زيارة البارزاني الأخيرة إلى تركيا، العدوين اللدودين أي: حزب الحركة القومية التركي وحزب العمال الكردستاني المحسوب على الكرد.
     عملياً من المعتاد أن تتلاقى نقاط اتفاقٍ ما بين الأعداء القريبين من بين سيل الاختلافات الجوهرية بينهما، طالما كانت تجمعهما بقعة جغرافية واحدة، وينتمون إلى ثقافة مشتركة، ولكن ثمة أصدقاء سواء عن جهل منهم أو عن كامل الوعي تراهم يتصرفون تصرفات هي عين تصرفات المعادي، ولا تخدم سلوكياتهم إلاّ العدو وحده،
وفي هذا الصدد يطيب لي إيراد قصة صغيرة جداً لقريبٍ اقترف في موقفٍ من مواقفه المخزية موبقات الأعادي من غير درايته، إذ أذكر بأن دورية من دوريات أمن الدولة في منطقة عفرين كانت قد استفسرت يوماً على الطريق العام المؤدي إلى قريتنا شخصاً يدعي: (م ـ ع) يستفسرون منه عن مجموعة شبابية ينتمون إلى تنظيم سياسي محظور ممن كانوا قد أقاموا حينها مخيماً شبابياً في منطقة جبلية تدعى (حبيبا) وهي ربوة واقعة بين ثلاثة قرى في منطقة عفرين (كوردان ومسكة وجوبانا) ولتسهيل الاستجواب قال رئيس الدورية هل أؤلئك المخيمون هناك على الجبل من حزب أوجلان؟ عندها ما كان من الذي تم سؤاله إلا أن يقول لرئيس الدورية الأمنية لا سيدي هؤلاء من حزب الوحدة الديمقراطي أي (حزب محي الدين شيخ آلي)! حيث أن السيد (م ـ  ع) أعطى دورية الأمن المعلومات بدقة متناهية من غير أن يرف له جفن، ومن غير أن يفكر ولو برهةً بتبعات ما قاله لعناصر أمن النظام البعثي، ولا نعرف حقيقة هل فَعلَ ذلك من باب الجبن؟ أم من باب التودُّد من عناصر الدورية؟ أم  بسبب كرهٍ خاص للحزب الذي كان ينتمي إليه المخيمون؟ أم من سماكة طبقة الجهل وشدة غبائه تصرف على ذلك النحو؟ مع أني لازلت أرجح الاحتمال الأخير!.
     فبناءً على ما قاله مَن كان بمثابة الصديق في القصة أعلاه، نستطيع المضي قدماً في قراءة ما كان مماثلاً لتلك القصة في الردود التي رافقت أو أعقبت زيارة رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني الأخيرة إلى تركيا في 26 من شهر شباط، التي استغرقت يومين واجتمع فيها مع رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والنائب الكردي أحمد ترك، والتصريحات المناهضة للمراسيم الرسمية التي أقيمت له في مطار أتاتورك، وكذلك أثناء لقائه برئيس مجلس الوزراء بنالي يلدرم.
     فالغريب أن الامتعاض من زيارة البارزاني جاءت من قبل الاخوة في الجبهة المحسوبة على حزب العمال الكردستاني قبل أن يعبر عن رفضه لشكل ومضمون المراسيم دولت باخجلي وحزبه أي حزب الحركة القومية التركي يوم الثلاثاء 28 شباط، الذي قال: “من العار والخزي رفع علم البيشمركة في مطار أتاتورك” والذي عبر عن أحقاده القومية والتاريخية الدفينة لكل ما يشير إلى القومية الكردية وكل ما من شأنه رفع معنويات الكردي واعتزازه بهويته وذلك بقوله:”لا نتحمل رؤية علم كوردستان في غرفة رئيس الوزراء التركي، حيث اعتبر المذكور أن رفع علم كردستان في استقبال البارزاني يمثل إهانة للشعب التركي، ويبدو أن الحزب وزعيمه من أصحاب عقلية شعب الله المختار، أو التركي فوق الجميع، وما إلى ذلك من الشعارات التي لم تعد تنسجم مع القيم الحضارية لهذا العصر، مع أن تركيا تحاول جاهدةً ومنذ سنوات أن تلتصق بأوروبا وتنضم لاتحادها، ولكن كيف ستستطيع الدولة التركية التقدم بذلك الاتجاه فيما زعماءَ كبار من تنظيماتها السياسية لا يزالون كمن تعمّدوا للتوِ في أجران العنصرية؟
     إلا أنه بالرغم من الموقف الصريح والمعادي لدولت بهجلي ومن كان مثله في الرؤى والتصورات للعلم الكردي، إلا أن المهم في الأمر أن الرد عليه وعلى كوادر حزبه الذين هتفوا في مطار اسطنبول بشعارات مناهضة لزيارة البارزاني والعَلم، جاء سريعاً وحاسماً مِن قبل كبار المسؤولين في الدولة التركية وبشكل رسمي من النخبة السياسية الحاكمة، حيث قال رئيس الوزراء التركي بينالي يلدرم في رده على تصريحات رئيس حزب الحركة القومية قائلاً: “إن رفع علم كوردستان في تركيا أمر دستوري وقانوني، لأن إقليم كردستان يملك علماً خاصاً به وفق الدستور العراقي، وأن إقليم كردستان يملك برلماناً وعلماً وحكومة ورئيساً خاصاً به، وهو كيان معترف به في العالم وعلَم كردستان معروف في العالم” وكذلك تعليق نائب رئيس الوزراء التركي والناطق باسم الحكومة نعمان كورتولموش الذي قال في مؤتمر صحفي: “إن رفع علم كردستان أثناء زيارة رئيس إقليم كردستان إلى تركيا يأتي وفقاً للتعاملات الدبلوماسية بين تركيا والإقليم، وأن رفع علم كردستان إلى جانب علَمَي العراق وتركيا لم يكن للمرة الأولى”.
     بينما المُزعج في الإشكالية التي سبقت ورافقت وأعقبت زيارة البارزاني، أن الطرف الآخر من المعادلة أي أعداء ذلك الحزب التركي المعادي للكرد، فلم يصدر عن أي مسؤول منهم، أو أي قائدٍ من منظومتهم، تصحيحاً أو رداً  أو اعتذاراً على ما بدر من أغرارهم ودهمائهم ونشطائهم الذين اعتبروا زيارة البارزاني تملقاً لأردوغان وحكومته، وأن الزيارة حسب زعم المواقع الموالية لحزب العمال الكردستاني بما فيهم موقع خبر 24 كانت بمثابة الدعم المعنوي لحزب العدالة والتنمية من قبل البارزاني، وكما جماعة بهجلي وقفوا بالضد من المراسيم الرسمية التي أقيمت للبارزاني بدوافع عنصرية، كذلك الأمر كان موقف الجهات الموالية للعمال الكردستاني ليس أقل سوءاً من موقف بهجلي وحزبه، بل كان الموقف العام للموالين لعبدالله أوجلان مماثلاً تماماً لموقف بهجلي المعادي للكرد بوجهٍ عام، وذلك من خلال تبخيس الأوجلانيين للأجندة التي كان يحملها البارزاني في زيارته، ولم يكتفوا بذلك فحسب، إنما وعلى وسائل التواصل الاجتماعي تم تخوين البارزاني من قبل الموالين لذلك الفصيل الكردي، ومن خلال معاينة الردود المختلفة بدا جلياً من خلال مقارنة الموقفين ـ موقف أنصار بهجلي العنصري وموقف أتباع عبدالله أوجلان ـ أن معظم أنصار الفصيل الكردي ونتيجة الحقد التنظيمي المتراكم، والتشحين العقائدي المستمر غدوا في تصرفاتهم لاشعوريا مثل (م ـ ع) في الحدوتة التي جئنا على ذكرها في بداية هذه المادة.     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…