من يستطيع أن يكون موسى عنتر ؟

ترجمه عن الكُودية وقدّم له: ابراهيم محمود
في هذا المقال الذي ترجمته عن الكُردية، وهو بالأصل مكتوب بالتركية، ونقلاً عن موقع الكتروني، يضع كل من يقيم علاقة مع الكلمة في مواجهة نفسه: ما إذا كان يقيم علاقته معها بعمق، وبنوع من الإخلاص للحقيقة التي تكون وحدها شاهدة عيان عليه وله، وفي هذا التوقيت السيء الصيت بالنسبة للكثير من الحالات “مظاهر الكتابة ” التي تنبري فيها أسماء ووجوه، وفي أمكنة مختلفة وهي لا تكفُّ عن إبراز أنفة ثقافية، وعراضة كردستانية، لا بل وهي تحاول استفزاز من هم في ” بيت النار ” الكردي، لأن ثمة ظروفاً مؤاتية لهم، لأن يكتبوا، ويتنشطوا بالطريقة المتلفزة والممسرحة هذه، وهي حالة من بين الحالات الكثيرة التي نعيشها منذ حين من الدهر، وما في ذلك من تأكيد حقيقة أخرى ليست لصالح أولئك: شعورهم أن عليهم مضاعفة جهودهم ما أمكنهم ذلك قبل فوات الأوان، حيث المعايشة مع المستجدات علَّمتهم، أن الحياة فرص، وعليهم اغتنامها، ليكون لهم رصيد في مضمار الثقافة الفعلية.
أما الكتابة الفعلية فهي لم تكن يوماً رهينة فرص، أو حياة دون أخرى،ولمن يعيش سخونتها، أوجاعها، مخاضها الأبدي.
وفي هذا المقال القصير، والعميق المغزى، عن عظيم الحرف الكوردي : موسى عنتر ” 1920-1992 ” وشهيده، ثمة الكثير مما يُعِلّم، ولمن يريد أن يتعلم، وهو في نهر الحياة الهادر، حيث إن العنوان من عندي، وهو تمثيل لمجمل الوارد هنا وفي المقال المترجَم.
موسى عنتر

 المثقف العصري عنتر، من مواليد قرية زفنكي ” Zivingê”عام920، وهي من قرى نصيبين، وبعد أن أنهى تعليمه الابتدائي فالمتوسط، درس الحقوق في جامعة ستانبول. وفي عام 1944 تزوج من “هالة خاتون”. ولقد تعرض للاعتقال والسجن والتعذيب مراراً على مواقفه السياسية وكردستانيته. وكان يكتب حتى وهو في السجن.،أما عن سجنه إلى جانب تسعة وأربعين من الطلبة الكرد والكردستانيين، فكان يعرف تحت اسم ” قضية 49 “.ولعله حدث تاريخي، ويحتاج بمفرده إلى دراسة خاصة. ولقد حوكم عنتر لأكثر من مرة. لكن المحاكم التركية تحولت لديه إلى مشاهد مسرحية. حيث إنه كان يمزج بين خبرته السياسية، وثقافته العالية، وتبحره في المجال الحقوقي، ويحارب به قضاة المحكمة. حيث كان يحمل معه القضية الكردية إلى قلب المحاكم التركية، وكان أعضاء المحكمة عاجزين عن إيجاد طريقة للإيقاع به، حيث إن موسى كان يغلق  كل الطرق في وجوههم، وقد كان موسى يسخر من القانون التركي، وهو يجسّد الكردية في موقفه ولغته عالياً. وكان موسى اجتماعياً. كان خفيف الروح، سريع النكتة. كان بيته يعج بالضيوف، سوى أنه كان يميل أكثر إلى مصاحبة الشباب، والكثير من الشباب الكرد تنبهوا إلى ما يجري انطلاقاً من قراءة كتاباته وصحبته.وبعد أن أصبح أولاده ” عنتر، راهشان، دجلة ” في الخارج، تقرّبت منه مجموعة من الشباب وهم يعتبرونه في مقام ” الأب الروحي “، ومن جهته، فإنه كان يعتبرهم في مكانة أولاده ويشملهم بحبه . لقد كان الصحافي والكاتب موسى عنتر مكتبة حيّة، حيث كان مطَّلعاً على أحداث المنطقة. وكان متعمقاً في تاريخ كردستان وأفرعه. أما عن الكلاسيكيين الكرد فكانوا معه دائماً. ولقد عرِف موسى عنتر بأسلوب خاص في كتاباته. ولعله من المهم جداً، لو تمكَّن المرء الكتابة على طريقته، كون مقالاته تميَّزت بقصرها، وعمقها، وكثافتها، وهي هادفة ومؤثّرة. حيث كانت كتاباته ساحة حرب ،إذ كانت مقالاته في هيئة مدافع وهي تمطر أعداءه بقذائفها.  
وقد ألّف عنتر مجموعة من الكتب، , وإليك ببعض أعماله (قصيدة المن: إذ يتحدث في القصيدة عن خطر المن ” الحشرة الأخطر على النبات والقمح خصوصاً ”  وكيف يضر بالزرع، وأكثر من ذلك، حيث يعاني القرويون كثيراً جرّاء ذلك)، وهناك ( الجرح الأسود، وهي عبارة عن نص مسرحي )، و( رسالة الزمن ) و( مذكراتي 1-2، وهي عبارة عن مذكرات عنتر ). ولقد كان أسلوبه في الكتابة الصحافية قوياً، بعيد النظر، عميقه، سريعاً في تشخيص الهدف، حيث كان يفي الكتابة حقها قي عهده. وبرز دوره الكبير في نشر الكثير من المجلات والجرائد، ونهل الكثير من الكتاب ومن جملة الصحافيين من نبعه، حتى لحظة استشهاده، ومن ذلك إدارته لـ ” بريد الشرق، ووطن المستقبل، والشباب والوطن “، وهي قسم من الجرائد والمجلات التي كان يديرها أو يكتب فيها. 
ولقد أمى عنتر حياة وهو تحت المراقبة، وذلك من قبل جواسيس الدولة حيث كان يتم تعقُّبه، إذ إنه كان يعتبَر خطراً على أمن الدولة، وهو الذي تحدّث كثيراً عن الدولة بنظرة من يشك في أمرها، وكان يتوقع أنه ذات يوم سوف يقتل على أيدي أعدائه الحاقدين، ولهذا، فقد كان يقول وهو على قيد الحياة،عن أنه يتمنى أن يكون ختام حياته حيث كان ختام حياة الشيخ سعيد، سيد رضا وقاسملو، ويصبح شهيداً. ولقد قتِل عنتر على أيدي القوى الظلامية العائدة إلى الدولة التركية  في 20 أيلول 1992. إن الشهيد الحي عنتر، يعيش في وجدان الشعب الكوردي، وإلى الأبد.
” صحيفة: الوطن الجديد Yeni Ülke، الترجمة من التركية إلى الكوردية :أراي تمِز “. 
دهوك، في 11-12-2016 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…