تسونامي ما بعد الموصل

شفان إبراهيم
لا تزال صدى كلمة الرئيس البارزاني التي ألقاها في باشيك (بعشيقة)، تأخذ الحيز الأوسع من المجال المكاني ضمن دائرة المتآمرين على الحقوق الكوردية. ثَمّة من يعتقد أن نضال مائة عام من التضحيات والدماء والشهداء يُمكن أن تُزعزعها خُزعبلات التآمر مع جهات إقليمية، ربما كانت تلك الجهات تزرع بذور الشقاق الكوردي- الكوردي بالتزامن مع نضالات الحركة الثورية الكوردستانية مطلع ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
لم تكن التشبيهات الواردة في كلمة الرئيس البارزاني محض مصادفة، فالألغام السياسية التي إما آن أوان إظهارها، أو التي بدأت تتماسس مع بلورة المراحل الأخيرة للمشروع القومي الكوردستاني، أو التي جاءت كتحصيل حاصل مع خلق الأزمات المتتالية والمتوالية من بغداد ضد الإقليم ومشروع الاستقلال. كُلها أزمات وألغام تُزرع في طريق تحرير كوردستان. 
من أزمة الأطفال إلى أزمة التربية والمدارس إلى أزمة تحويل البرلمان إلى ساحة لتفجير الأوضاع الداخلية إلى أزمة افتعال لغم رئاسة الإقليم وعدم استعدادهم لتقديم البديل، إلى استغلال أزمة الرواتب والميزانية المفتعلة من قبل حلفائهم، إلى العمل على تسليم نفط كركوك إلى المالكي،  إلى محاولة إجهاض إعادة المناطق المشمولة بالمادة 140 إلى الحضن الكوردستاني، كل ذلك في سبيل ماذا؟ هو ذا سؤال الوجود الكوري في شطره الجنوبي.
يقول البارزاني:
“كما تمكنت الپێشمرگة من رفع جميع ألغام داعش التي زرعها على طرق وارض كوردستان، أقول بثقة إننا نتمكن من رفع جميع تلك الألغام السياسية التي يزرعونها في طريقنا، افعلوا ما تشاءون فنحن ماضون ومصرون على السير في طريقنا” كلمات قليلة تفصح عن حرارة الأيام القادمة. نهاية معركة الموصل ستكون نقطة التحول في العلاقات الكوردية – الكوردية من جهة، ومن جهة ثانية بين من ضحى بنفسه لأجل الاستفتاء ومن ضحى بالاستفتاء، ومن جهة ثالثة ستُدرك تلك الفئة الباغية، خاصة عَقِبَ تفجير النسق المضمر في العلاقات الكوردية – العربية –التركية – الإيرانية، والإشهار علانية عن حجم الاستفادة الإقليمية والدولية من إعلان قيام دولة كوردستان لناحية الحاجز بين المدين السني والشيعي والقاطع للصراع الأزلي السني –الشيعي، والمُحفز على نشوء نوع جديد للاقتصاد والتبادل التجاري، والإتيان بمعادلة سياسية تعددية جديدة للمنطقة، حينها سيُدرك أصحاب معاول ردم دولة كوردستان كم من العقود مضوا في سبيل سراب إعلان فشل الدولة الكوردية.
سبق كلمة الرئيس البارزاني، الإعلان عن نتائج استفتاء قامت به الجامعة الأمريكية في دهوك، إعلان كشف عن الرتم المُراد تجزئته وتمييعه، وكشف عن تنامي شغف الاستقلال حتى في معقل الأحزاب المساهمة في خلق متواليات الأزمة في كوردستان.
معركة الموصل شارفت على الانتهاء، والدعم الدولي للپێشمه‌رگة وثقل الرئيس البارزاني لم يعد له حدود، ربما هي أسابيع وتتوجه بوصلة البارزاني نحو الداخل، بوصلةٌ ما عهدها الشعب إلا بوصلة الحق وإحقاق المساواة والعدالة الاجتماعية، حين يقول الشعب الكوردي كلمته في الاستفتاء أو التوجه نحو الكونفدرالية، حينها ما عساهم أن يفعلوا، خاصة وأنهم استنفذوا قواهم حتى في ورقة حَزّ السليمانية عن أمها، وفي إهداء نفط كركوك لمُفقر الشعب الكوردي، تراها هدية نهاية الخدمة، أم الانتقام الأخير.
نهاية معركة الموصل تعني بداية نهاية مأساة الشعب الكوردي في غرب كوردستان، ما أن تنتهي المؤامرات على الشطر الجنوبي، وتنال البندقية الكوردية قسطاً من استراحة المحارب، حتى تكون الماكينة السياسية تتجه نحو خلق حشد دبلوماسي دولي لانتشال كوردستان سوريا، والدفع نحو إقليمها المرتقب، وهو ما لن يتم دون تقارب القوى الكوردية – الكوردية، وهي على دراية، خاصة بعد استنفاز وسائل المساعدة من جهة جمعية، وعدم الخروج من عنق الزجاجة من جهة أولى، وعدم الاكتراث لنداءات وآهات وآلام الشعب الكوردي من جهة ثانية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…