ما لا تود المعارضة السورية استيعابه

د. محمود عباس

وهي: بأن الدول الداعمة لها، وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا، انتقلت من مرحلة محاولة إيصالها إلى السلطة إلى مرحلة المهادنة، مع الحفاظ على ماء الوجه، ومن عمليات الدعم الكامل للقضاء على سلطة علوية-شيعية، إلى مرحلة استخدامهم حسب الحاجة، والحاجة بدأت تختلف ما بين شهر وآخر، بعدما كانت الغاية من الدعم القضاء على سلطة بشار الأسد والثورة السورية الوطنية، أصبح الحفاظ على الوجود، وأقصاه المهادنة والمساعدات الإنسانية، والحوار مع روسيا وليست السلطة على شروطها. وترجح خساراتها وانتصاراتها المتتالية في البقعة الجغرافية ذاتها هذه الجدلية، وخاصة في حلب الشرقية، ما بين شهر وآخر، أحيانا تظهر وكأنهم في لحظاتهم الأخيرة، حيث القصف الروسي والسلطة المكثفة، مقابل نفاذ الذخيرة وضعف الأسلحة، إلى دعم متصاعد كاف لطرد جيش النظام المدعوم روسيا. فالكر والفر هذه بينهما فقط شهور وأحيانا أسابيع، تعكس تكتيك روسي خبيث، مقابل حشر الدول الداعمة لها إلى هذا اللهيب لأجندات خاصة بهذه الدول، لا علاقة للشعب السوري بها، وقد تؤدي الاستمرارية في هذا التكتيك إلى ترهل تام للمعارضة السورية السياسية والعسكرية. 
أغلبية المحللين السياسيين، يعلمون أن روسيا تستخدم استراتيجية الأرض المحروقة، التي طبقتها في غروزني الشيشانية، في الحرب السورية، وبشكل خاص في حلب وريفها، وتكاد أن تكون عالمية لمشاركة العديد من الدول فيها، ويؤكدون أن نية روسيا القضاء على جميع أنواع المعارضة، وليست فقط المنظمات الإسلامية الراديكالية، وبتكتيك عسكري دقيق، ولا يشكون بانه لأمريكا وتركيا إطلاع عليه، والاتفاقيات على الكليات منتهية، وهذه لم تعد مسألة تحتاج إلى تحليلات وتأويلات، مثلما تحتاج إليها علاقات تركيا والسعودية وقطر مع المعارضة السورية.
   لم يعد لغزاً تفضيل تركيا مصالحها القومية على المصالح المذهبية، وخاصة بعد الانقلاب العسكري المفبرك، وانتقالها من قوة في الناتو، إلى حليف روسي، مع تقوية علاقاتها الاقتصادية والسياسية، بلغت مجالات تبادل الأدوار في سوريا والمنطقة بشكل عام، والتنازل للبعض عن مواقف ومناطق ساخنة، وجل غاية تركيا هي القضاء على القضية الكردية، مع الاحتفاظ بورقة المعارضة السورية كواجهة، أو استخدامها كأداة لتمهيد دروبها نحو العمق السوري أو العراقي، وهنا تفرض احتمالية الموافقة بينها وبين روسيا، على غيرها من التوقعات، ولا يستغرب أن يكون بند التنازل الممهد عن دعم المعارضة السورية، أو دعمها حسب الحاجة الروسية، قد وقعت بينهم أو تمت الموافقة الكلامية عليه، خاصة وأن الثلة الانتهازية والمنافقة من البعث السني والإسلام السياسي ضمن الائتلاف، أصبحت تفضل نهج الدولة التركية على غايات الشعب السوري، وهي مستعدة قبول كل ما سيصدر عن إدارة أردوغان، حول سوريا، علماً أنها ترى كيف أن تركيا تحارب  على بعد كيلومترات من شرق حلب بعض الأطراف الكردية، وتقحم شريحة من المعارضة ضمن صراعاتها الذاتية، في الوقت الذي تسكت تركيا أمام التدمير الروسي الإيراني وسلطة بشار الأسد لحلب وريفها، والأنكى أنها تدفع بالمعارضة المعتدلة الوحيدة إلى صراعها مع الكرد، في الوقت الذي كانت ستحصل هذه المعارضة على سند عالمي لو حاربت سلطة بشار الأسد، وداعش. والغريب أن تركيا لم تكتفِ بهذا بل طالبت المعارضة بالخروج من المدينة، تحت صفة النصرة، في الوقت الذي كانت عليها مساندتها، وهو في الواقع ازدراء بالمعارضة، وهذا ما يدل على أنها تتعامل معها بمعيارين، وهذا ما تفعله أمريكا أيضاً.  
 لكن ما لا تتوقعه المعارضة السورية المسلحة، وخاصة المنظمات الأكثر راديكالية والمستندة بعمقها على المساعدات السعودية والقطرية وعن طريق تركيا، أن هذه الدول بدأت تدفعها إلى المحرقة الروسية وسلطة بشار الأسد والإيرانية، لديمومة الصراع في سوريا قدر الإمكان، رغم أنها على دراية بأن روسيا مصممة على تنفيذ خطتها حتى ولو أدت إلى تدمير شرق مدينة حلب بكامله أو مدن أخرى من سوريا، وغاية الدول الداعمة للمعارضة وبهذه الطريقة، إلهاء إيران وروسيا قدر الإمكان مع المعارضة السورية، لئلا تخلى لها الأجواء بالتركيز على اليمن، حيث الحدود المجاورة لدول الخليج والسعودية، وهنا تتبين ضحالة العمق الاستراتيجي السني.
  احتمال استمرار مسرحية انتصار القوى المسلحة المعارضة في أسبوع واحد، وإعادة المناطق التي خسرتها بعد قصف جوي روسي وسلطة الأسد الهمجية لشهور، قد تمتد إلى فترة طويلة، أو إلى أن تقبل المنظمات المسلحة شروط السلام كما تريده القوى الكبرى، أو ما ستنتج الاتفاقيات الكلية حول المنطقة بشكل عام، ومن ضمنها قضية اليمن، وهي من ضمن الصراعات المذهبية بين الهلال الشيعي-السني، أو بشكل أوسع من ضمن صفقات توزيع الجغرافيات بين الإمبراطوريات. وعلى الأغلب أن روسيا، تعلم ما تصل المعارضة من الأسلحة، وكمياتها، وبإمكانها أن تمنع المعارضة، وبقصفها الهمجي، منع المعارضة من إعادة تلك المناطق مهما مدت بالأسلحة، وعدم تكرار مسرحية، الكر والفر، والهدنة المبرمجة.
 ومهما كانت الحلول المعروضة منطقية فإن المعارضة السورية العربية الإسلامية، المسلحة أو السياسية، لن ترضى بها، وستظل متمسكة بالنهج السعودي التركي، القطري، ما داموا سيقدمون لها الأموال والأسلحة، ولن تبدل من رأيها المجازر التي تحل بها روسيا وإيران وجيش الأسد، وأدواتهم، ولن ترضخها لقبول الواقع، وهي أن هذه الطريقة لم تعد فعالة لأسقاط سلطة بشار الأسد، وعليهم اتباع أساليب أخرى، وعليها أن تدرك أن الاستمرار في عمليات الكر والفر هذه انتحار جماعي، وإبادة للشعب الذي لا يأبه له سلطة بشار الأسد ولا طائرات بوتين، ولا مرتزقة إيران، لهذا  لابد من التواري ضمن المجتمع أو الخروج من المنطقة، والبدء بمحاربة الحلف الإيراني الروسي الأسدي بطرق مغايرة، وتبدأ بالتخلي عن فرض منهج الراديكالية الإسلامية والعروبية العنصرية، والاعتماد على الشعوب السورية عامة، لتبرز المعارضة المعتدلة، ولا بد من الاقتناع بأن الحرب الجارية في سوريا هي حرب بالوكالة، وليست لإسقاط النظام. 
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
1/11/2016م 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…