الكورد وفرصة الأنظمة الحاكمة

د. ولات ـ ح ـ محمد
   الأنظمة المقتسمة لكوردستان وعلى مدى مئة عام لم توفر وسيلة دون أن تستخدمها في إسكات الكوردي أو إنهائه، ولم تترك مناسبة إلا وتآلفت فيها على وأد حلمه بتحقيق ذاته، ولكنها لم تفلح في كل تلك المساعي، وأثبتت تلك السياسة فشلها الدائم والمدمر. كان ذلك في زمن لا يملك الكوردي فيه إلا روحه المقاومة لمحاولات محوه وإزالته.  الآن جاءت فرصة من ذهب لحل هذه المعضلة، فبدلاً من أن تتنازل هذه الأنظمة بعضها لبعض مرة وللآخرين مرة أخرى بغية التآمر على الكورد وإبقاء المشكلة معلقة بكل تكاليفها المستقبلية، بإمكانها أن تستغل هذه الفرصة وتتخلى عن طريقة تعاطيها مع شعبٍ جارٍ وشريك في الجغرافيا والتاريخ لإنهاء مشكلة عمرها قرن من الزمن، لا هي ماتت وانتهت ولا الأنظمة غيرت نظرتها إليها على الرغم من تغير الأزمان والأحوال. 
أقول هي فرصة لأن شعوب المنطقة (جيران الكورد وشركاءهم) لن تعترض كثيراً على حكامها هذه المرة إذا ما قرروا التقارب مع الكورد وحاولوا إيجاد حلول لهذه المشكلة المتعبة للجميع، وذلك  لجملة أسباب منها: أن المنطقة كلها تشهد تغيرات جذرية، وأي تنازل من أولئك الحكام سيبدو لشعوبهم تنازلاً اضطرارياً وليس تفريطاً بـ(حقها) الذي كانت تظنه موروثاً طبيعياً لها. السبب الثاني هو أن هذه الشعوب نفسها تعبتْ من الحروب والصراعات والتناحرات التي أحدثت شروخاً بينها وبين إخوتهم وجيرانهم الكورد، خصوصاً أنهم باتوا جميعاً في حالة تداخل تام في كل مفاصل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وبات في الوقت نفسه من الاستحالة الاستمرار في حالة العداوة، أو حالة اللاعداوة واللاصداقة أو العداوة المتجددة بين حين وحين، وهي حالة متعبة للنفس ومكلفة على كل مستويات الحياة. بالتأكيد ستكون هناك فئة تعترض على مساع من هذا النوع ولكنها لن تكون فئة كبيرة وواسعة كما كانت حتى قبل سنوات قليلة. 
   العامل أو السبب الثالث هو أن هذه الشعوب باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتقبل أي صيغة للحقوق الكوردية يتفق عليها الساسة والحكام؛ لأنها (الشعوب) باتت اليوم أكثر وعياً بحقوق الآخرين وأكثر تقبلاً لها من ذي قبل نتيجة الانفتاح الذي حصل في الثقافة والمعرفة ووسائل الاتصال، الأمر الذي أخرج إنسان المنطقة من القوقعة التي وجد نفسه فيها خلال مئة سنة الماضية، أو وَأَدَه فيها حكامُه عن سبق إصرار حتى يبقى رهين أفكارهم وثقافتهم التي كانت مبنية على معاداة الآخر عموماً والكوردي خصوصاً. 
   نتيجة لكل ما سبق خفَّ عند هذا الإنسان ذلك الشعور القومي ذو البعد الإقصائي للآخر أو الصاهر والمذيب له في بوتقته، وغدا أقل حساسية من ذي قبل عند الحديث عن الآخر الكوردي. وفي هذا السياق يمكن أن نقارن مثلاً بين موقف العراقيين من كورد العراق وحقوقهم حتى انتهاء عهد صدام حسين وبين موقفهم اليوم؛ إذ تطور هذا الموقف لدرجة أنك تجد عربياً عراقياً يدافع عن حق الكورد في إنشاء دولتهم. وقد كان من المستحيل تخيل هذا الموقف قبل عقد ونصف مثلاً. وهكذا يمكن قياس مواقف الشعوب في تركيا وإيران وسوريا أيضاً. أضف إلى ذلك أن دولاً عربية الآن لا تمانع حصول الكورد على حقوقهم المشروعة. وهو ما لم يكن تخيله قبل خمس سنوات من الآن.
   كل هذه الظروف تسهل مهمة الأنظمة التي عليها أن تخطو خطوة تاريخية من أجل كل شعوب المنطقة. وما يمكن أن يساعد على ذلك مواقف كل من أمريكا وروسيا والاتحاد الأوربي ودول المنطقة أيضاً، والمعروف أن العلاقة بين كل هذه الأطراف ليست سيئة، وأن الملف الكوردي ليس موضع تنازع أو خلاف أو مساومة بينها. ومن هنا فإن فرصة الأنظمة المعنية كبيرة جداً لإغلاق ملف كان وسيبقى مبعث خلاف وقلق وتوتر وصراع يكلف أبناء هذه المنطقة ودولها أرواحهم ودماءهم وطاقاتهم وأموالهم. 
   إن المؤامرات والتدخلات العسكرية والبهلوانيات والعنتريات التي تُقْدِم عليها تلك الأنظمة بحق الكورد لن تحل القضية بل ستضيف إلى المشكلة مشكلات أخرى، وكل ما يمكن أن تفعله هذه المغامرات هو أنها ربما تستطيع تأجيل الحل إلى زمن آخر فقط. ولذلك بدلاً من كل هذه البهلوانيات والاستعراضات العسكرية والتنازلات السياسية والجغرافية والسيادية من هذا الطرف لذاك يتوجب على هذه الأنظمة أن تتحلى بالشجاعة والإحساس العالي بالمسؤولية تجاه شعوبها وشعوب المنطقة وتتخذ قراراً بحل هذه القضية وإغلاق ملفها إلى الأبد.  وبدلاً من أن يجتمع حكامها لتقديم التنازلات للبعيد والقريب وللتآمر على الكورد عليهم أن يجتمعوا ولو لمرة واحدة لوضع حل نهائي وعادل لقضية شعبٍ لن ينتهي بالحروب والمجازر، ولن ينسى حقه بمرور الزمن وتشويه التواريخ والحقائق.. فلِمَ التأجيل الذي ثمنه دماء وأرواح وأحقاد أيها العقلاء ؟؟ إنكم إن فعلتم فلن تتنازلوا عن بعض جغرافيتكم لقومٍ انشقت الأرضُ فانبثقوا من بين شقوقها على وجه أرضكم، أو انفطرت السماء فانهمروا من بين فلقاتها نزولاً بين غاباتكم. إنكم فقط سوف تعيدون الحقوق لأصحابها الشرعيين. وستكون بذلك أمامكم فرصة لتكفّروا عن ذنوب أسلافكم لما ارتكبوه من موبقات بحق جيرانكم الكورد على مدى مئة عام مضت. 
   هذه هي فرصتكم التاريخية. اختاروا الأفضل لكم ولشعوبكم ولشعوب المنطقة برمتها: إما بهلوانيات واستعراضات عسكرية وعنجهيات وحروب مدمرة وإما تنازلات وخطوات شجاعة وسلام ووئام بنّاء. 
ملاحظة: لا يوجد احتمال ثالث !!! 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…