بصدد التفجير الإرهابي الأخير في مدينة قامشلو

 جان كورد – ‏28‏ تموز‏، 2016
بمزيد من الحزن والأسى تلقيت نبأ التفجير الإرهابي الأخير في مدينة قامشلو التي حاولت البقاء آمنة طوال سنوات الحرب الدامية في سوريا، وإنني استنكر هذه الأعمال الإرهابية التي لا يقوم بها ولا يخطط لها إلا مجرمون وإرهابيون، فقدوا كل علاقةٍ لهم بالمجتمع البشري، وتحولوا إلى وحوش مفترسة ظامئة لدماء الناس باستمرار. وإذا كان البعض يعتقد أن هؤلاء أصحاب آيديولوجية أو يعتنقون ديناً، فهو خاطئ  والحقيقة هي أن الذي يرتكب أو يأمر أو يبرر هذا الإرهاب الذي ينال المدنيين، سواءً في كوردستان أو في أوروبا أو في أي مكان آخر، لا يحمل ذرةً من الضمير الإنساني في صدره، وهو بعيد كل البعد عن أن يكون إنساناً عادياً، ذا رسالةٍ دينية أو اجتماعية، ومثل هؤلاء المجرمين مكانهم وراء القضبان وتنفيذ أقسى العقوبات بحقهم في حال القبض عليهم أحياءً.
ومن الضروري في هذه اللحظات التشديد على أن البيت الكوردي غير محصن في مواجهة هكذا عمليات إرهابية تقضي على حياة المواطنين الكورد، فإن الإرهابيين يتسللون حتى إلى عمق أوروبا ويرتكبون فيها جرائم فظيعة ضد الإنسانية، ولكن يمكن تحصين “البيت الكوردي” بمزيدٍ من التضامن والتعاون بين مكونات وفصائل حراكنا السياسي – الثقافي في شتى المجالات الأمنية والحماية المدنية والتخطيط لإجراءات أشد فعالية وعدم الاستهتار بالعدو الذي يتخذ ألف قناعٍ له ليتسلل ومعه  وسائل إرهابه إلى عمق دفاعات الكورد الأساسية، مثل مدينة قامشلو، إذ يبقى هذا السؤال مطروحاً على القائمين ب”حماية الشعب”: 
كيف تسلل هؤلاء الإرهابيون بعربةٍ محملة بالمتفجرات إلى المدينة التي تقع خلف عشرات الحواجز ونقاط السيطرة التي كان من المفروض ألا تسمح بعبور من هو عازم على تقتيل الشعب بمثل هذا الهجوم الغادر، فالوضع وضع حربٍ ضد أخطر تنظيمٍ إرهابي في العالم، ولا مجال للتهاون والاهمال؟ 
وهذا السؤال يفتح الباب أمام أسئلة أخرى، أكبر وأصغر، لا يتسع المجال في هكذا مقال لطرحها، وبخاصة فإن جماعة “حماية الشعب” مشغولة بالتظاهرات في ديريك للأفراج عن الأب الروحي لها، فلربما يتسلل إليها كوردي “بارزاني” وهو حامل لراية كوردستان، فيعكر صفو المسيرة المظفرة صوب “تركيا وسريا ديموقراطيتين” ولأنها مشغولة بتحرير منبج البعيدة عن مدينة قامشلو خدمة لمشروع “فيدرالية شمال سوريا” وحماية خطوط النظام في حلب لمحاصرة فصائل الجيش السوري الحر، والدفاع عن قرى الشيعة (ومنها نبل والزهراء) القريبتين من جبل الأكراد، بل إنها ترى نفسها ملزمة بحماية مطار منخ العسكري، رغم أنها لا تمتلك أي طائرة حربية أو مدنية؟
حتى أغبى الأغبياء يعلم أن تحصين المدن أمام الهجمات الإرهابية والقتالية يتطلب المزيد من العناصر المقاتلة والمدربة تدريباً جيدا على تثبيت الأمن والاستقرار،  ولكن أن ترفض جماعة “حماية الشعب” قدوم بيشمركة غرب كوردستان لمساعدة قواتها في وحدات حماية الشعب (و.ح.ش) أو ما تسميه بقوات سوريا الديموقراطية (ق.س.د) أو الأسايش الذي يلقي اسمه الرعب في صدور الكورد، فهذا لا تقبله العقول السليمة، وهو أقل ما يمكن طلبه من الإخوة الكوردستانيين الذين لن يرفضوا هذا الطلب مطلقاً، مثلما وافقوا على إرسال قوة اسناد قتالي لإخوتهم أثناء الحرب الإرهابية على مدينة كوباني، بل إن قوات (لشكرى روز)  هي بالأصل كوردية – سورية،  وعليها أيضاً يقع واجب الدفاع عن شعبها، فلماذا جماعة “الحماية” تصر على منعها من دخول سوريا؟ إن ذريعتها في أن “الرفاق” لا يرغبون في أن يكون هناك جيشان كورديان في شمال سوريا تافهة حقاً ولا يصدقها حتى عصفور.  
بالتأكيد، تنظيم الدولة الإرهابي يعتبر الكورد، مسلمين وغير مسلمين، أعداءً له لأنهم صدوا هجماته في سوريا والعراق ولقنوه دروساً في القتال والصمود، وسينتقم من الكورد أينما تمكن منهم، والإرهاب أكبر سلاح لديه، وعناصره لايتوانون عن ارتكاب المجازر بحق المدنيين في كل مكان، فكيف لم تتمكن جماعة “الحماية” من اكتشاف مؤامرتهم الدنيئة هذه، في قلعة من قلاعها الحصينة، في قامشلو الحبيبة؟ أم أن التنظيم له عناصر في المدينة لم يعلم بوجودهم أحد من الأسايش؟ أم هناك من يسّر لهم أمر التسلل وجلب المتفجرات أو صنعها في المدينة؟ من ساعدهم في تدبير أمرهم؟ ووضع السيارة تحت تصرفهم؟ مسؤولون في نقاط السيطرة العسكرية حول المدينة؟ عناصر ومسؤولون من “ق.س.د”؟ أو من عناصر الكتل المتحالفة مع حزب الاتحاد الديموقراطي؟ أم ساعدهم المربع الأمني للنظام في قلب قامشلو؟ 
  طبعاً، في التنظيمات المافياوية، لا يستطيع أحد محاسبة أو مساءلة رؤسائه، أو زعيمه، ولكن في التنظيمات السياسية لدى الفشل في أمرٍ ما، وهذا فشل كبير وثغرة واسعة في نظام حماية المدينة، يكون هناك عادةً مساءلة ومحاسبة واستقالات وتحديد المسؤولين عن حدوث تلك الثغرة التي تسلل منها الإرهابيون، فهل ستشهد قامشلو الجريحة فتح ملف المسؤولية عن هذه الجريمة الكبرى ضد الإنسانية، أم سنستمر في المطالبة بالبحث عن أسرار جريمة سينما عاموده التي حدثت قبل عقودٍ من الزمن؟  
نعم، هل ستسقط رؤوس مسؤولة من أجل شهداء قامشلو وأمنها وحياتها؟ أم أن قامشلو ليست مهمة لجماعة “الحماية” مثل تحرير منبج وحماية ظهر النظام على طريق الكاستيللو في حلب؟ 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…