الكاتب الكوردي إلى أين؟ بعد خمس سنوات على الثورة السورية صارمن حق الجميع أن يسألنا: ماذا قدمتم معاشر الكتاب لأهلكم؟

فدوى كيلاني
السؤال جدير بالطرح، كما أنه يعتبر من أهم الأسئلة الإشكالية التي يجب ألا نقفز من فوقها، بل أن نوليها الاهتمام المناسب. فالسياسي الكوردي له جبهته. والعامة الكورد انقسموا. وكان لهؤلاء الحق على المثقف أن يريهم من خلال منظوره تصورات عن الواقع والمستقبل من دون أية مساومة لكن للأسف الشديد فإن غالبية المثقفين الكورد لم يؤدوا الدور المطلوب منهم على ما يرام.
المجتمع الكوردي الذي وجد نفسه أمام مرحلة جديدة وهو يعيش فوق تراب وطنه غريباً كان عليه أن يبدي رأيه في كل ما يجري حوله، فالنظام دكتاتوري دموي وله تجربته معه قبل انتفاضة 12 آذار2004 و خلال فترة الانتفاضة العصيبة علينا جميعا وهكذا بعد الانتفاضة أيضا ً. 
لقد تم تأثير واقع الفرقة على هذا المجتمع وصار ممزقاً بحكم تناقض المشاريع السياسية المفروضة عليه، ليس من جهة النظام الذي حكمه عقودا بالحديد وبالنار بل ومن قبل من يفترض أنهم يمثلونه، بعد فقدان البوصلة واعتبار المصلحة الحزبية أو المصلحة الما قبل حزبية هي الأعلى على حساب مصالحه القومية وعلى حساب مصلحة وجوده.
عندما نقرأ تجارب شعوب الغرب في فترات الحروب والمحن التي تتعرض طريقه نرى أن للمثقفين من أبناء تلك الشعوب أدوارهم الكبيرة في خدمة ذويهم وهناك أسماء فلاسفة ومفكرين وباحثين وصحفيين وفنانين وروائيين وشعراء وأكاديميين استطاعوا أن يشخصوا الداء ويوجدوا الدواء وكانت كلمة هؤلاء مسموعة من قبل شعوبهم . إلا أننا نرى عندنا العكس فإن هؤلاء النخب الثقافية تحولوا إلى أطراف بعيدة عن وظيفتهم الثقافية وذلك نظراً لانطلاق الكثير منهم من عامل المصلحة الذاتية التي يفضلونها على المصلحة العامة. هذا بالضبط ما جعل المثقف يفقد تأثيره واحترامه على الغالب.
هؤلاء الذين لم يؤدوا الدور الملقى على عاتقهم أو الذين تجردوا من هذا الدور وقبلوا بأن يكونوا إلى جانب السياسي يبررون أخطاءه حتى وإن كانت جريمة أو مجزرة فقدوا هيبتهم الشخصية وحولهم البعض من المشتغلين في الحقل الحزبي إلى أداة بيده في وجه المثقفين الذين يعملون بوعي في خدمة شعبنا ومنهم من نزل إلى مستوى متدن من خلال استخدام لغة السياسي المبتذلة للإساءة إلى مثيله، وهذا ما يفعله المختلف معه بالمقابل. وصار السياسي يتصرف بملء حريته متخلصاَ من وجود الرقيب الذي يشير إلى أخطائه وإخفاقاته.
أعتقد أن رابطة الكتاب والصحفيين الكورد التي تصرفت بشكل مبدئي وسليم مع بداية الثورة السورية التي أفرغها اللصوص والتجار المرتزقة من محتواها وغدت الآن مهمشة لأن الذين قادوها في المجلس الوطني السوري ومن ثم الائتلاف لم يكونوا مؤمنين إلا بمصالحهم ودون أي استثناء وأقصد الذين استمروا حتى الآن وهم ينهشون من جسد البلد والشعب وصاروا تجار حرب. 
المهم أن الرابطة منذ ما قبل بداية الثورة بأشهر ومنذ بدايتها وضعت برامجها العامة ودعت إلى وحدة الصف الكوردي ووقفت مع الثورة عندما كانت ثورة ونقدتها عندما صارت تسرق كما نقدت كل من يخطأ في الحركة الكوردية وكانت قد دعت لعقد مؤتمر كوردي ومؤتمر للكتاب لكن وجدنا أن سكرتير الحزب الفلاني وقف بقوة ضد المؤتمر العام الذي دعت إليه. وأن آخرين عملوا على تمزيق الرابطة ودفع البعض لتشكيل هيئات الغرض منها تمزيق صف الكتاب ليكون ذلك متماشياً مع التمزيق المجتمعي الذي يجري وليفقد الكاتب قوة تأثيره على الشارع الكوردي وهكذا فإننا خسرنا الدور الرقابي التنويري للكاتب.
إن أي باحث يريد أن يعرف دور المثقف الكوري خلال السنوات الماضية فإن عليه ليكون منصفا أن يتابع مواقف كتاب الرابطة وبياناتهم التي انطلقت من صميم مصلحة شعبنا حتى وإن استاء منها هذا الطرف أو الآخر. والاستياء يكون بقدر ارتكابهما للأخطاء. ويجب ألا نرى ببراءة إلى تشكيل كيانات متنافرة لحملة الأقلام لا يوجد أي خلاف جوهري بينهم إلا من أجل تمثيلهم.
بعد خمس سنوات مما سميناها بالثورة السورية وصارت الآن وسيلة ثروة للصوص في مفاصل المعارضة نرى بأن واقع كتابنا الكورد أصبح غير مرضي عنه فأسباب الشقاق تعمقت ولا نجد أية استجابة لأية نداءات لوحدة صفهم وهذا دليل على أن الشرخ تعمق وسنفهم الأمر كما هو بالضبط عندما نعلم أن السياسي أفرغ الثقافي من جدواه ودوره وصار مجرد متابع سلبي لما يجري وقد يتحدث شفهيا عن امتعاضه من الواقع دون أن يتجرأ على رفع صوته إلا ضمن الحد المسموح له به.
عندما أكرر السؤال المطروح بالأصل: المثقف الكوردي إلى أين، فليس غايتي إلا تشخيص ما وصل إليه من حال مزرية محاولة أن أجعل من هذا الطرح الجديد دافعا لكسراية موانع بين المثقفين للتواصل و التحاور والعمل ضمن حالة اتحادية تحفظ للجميع حقوقهم وتؤمن لصوتهم احترامه وتقديره وسط هذه المعمعة وإلا فإن التاريخ لن يرحمنا.
** الكلمة الافتتاحية لجريدة بينوسانو العدد55″

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…