عبدالله كدو
على مدى عقود، أنتج الشعب الكردي نخبا ثقافية وأكاديمية وسياسية تمتلك معرفة واسعة بالتاريخ والقضية الكردية وتعقيدات الواقع الإقليمي والدولي. ومع ذلك، فإن جزءا من هذه النخب بقي بعيدا عن العمل الحزبي والتنظيمي المباشر، إما بسبب فقدان الثقة بإمكانية إحداث تغيير حقيقي من داخل المؤسسات والأحزاب، أو بسبب التردد والخوف من تبعات العمل السياسي. وفي المقابل، استطاع أشخاص أقل حظا من حيث الثقافة السياسية والخبرة أن يحتلوا مواقع متقدمة في المشهد السياسي الكردي، لأنهم امتلكوا الاستعداد والمبادرة للدخول في معترك العمل السياسي .
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: قد يمتلك أحدهم المعرفة، لكنه يفتقر إلى الإرادة، بينما يمتلك آخر الإرادة، لكنه يفتقر إلى المعرفة. الأول يعرف كثيرا لكنه لا يتحرك، والثاني يتحرك كثيرا، لكنه قد لا يعرف دائما إلى أين ينبغي أن يتجه. وبين الاثنين تضيع فرصة بناء ممارسة سياسية تجمع بين العقل والإرادة. وتكمن المشكلة، في جوهرها، في غياب الجسر الذي يصل بين الطرفين.ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن تحويل الوعي الموجود لدى النخب الكردية إلى إرادة سياسية، وتحويل الإرادة الموجودة لدى الناشطين إلى مشروع سياسي أكثر نضجا وتنظيما؟
فالقضية، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى من يعرف فقط، ولا إلى من يتحرك فقط، وإنما إلى من يعرف لماذا يتحرك، وكيف يتحرك، وما المسؤولية التي تترتب على حركته.
قيل إن من مفارقات الشقاء البشري أن الواعين كثيرا ما يعانون من التردد وضعف الثقة بالنفس، في حين قد يمتلك الأقل وعيا ثقة أكبر بأنفسهم. وهذه المفارقة تبدو حاضرة، بدرجات متفاوتة، في واقع السياسة السورية عامة، والكردية خاصة.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون المثقف والسياسي الأكثر قدرة على قراءة الواقع في مقدمة الصفوف، نجد أن نسبة غير قليلة من المثقفين والسياسيين الكرد تفتقر إلى الإرادة اللازمة لخوض غمار العمل السياسي والحزبي وتحمل مسؤولياته. وفي المقابل، نجد أن بعض الذين لا يمتلكون القدر الكافي من الثقافة والخبرة السياسية يتحلون بقدر أكبر من الاندفاع والاستعداد للعمل والنضال السياسي.
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات التي تستحق التوقف عندها: فالثقافة السياسية وحدها لا تصنع مشروعا، كما أن الإرادة والحماس وحدهما لا يكفيان لصناعة سياسة رشيدة.
فما المطلوب إذن؟ ليس المطلوب أن يتخلى المثقف عن وعيه وحذره، ولا أن يتقدم غير المؤهل لمجرد امتلاكه الجرأة، وإنما أن تتحول المعرفة إلى إرادة، والخبرة إلى مسؤولية. وعندما يلتقي الوعي السياسي بالإرادة النضالية، يمكن أن يتشكل جيل سياسي قادر على تجاوز حالة التردد من جهة، وحالة الاندفاع غير المحسوب من جهة أخرى.



