من جنايات محمد جمال باروت – الجزء الأول

د. محمود عباس
   تندرج النوايا السيئة ضمن المخالفات، ويكون جنحا حينما يراد القيام بتنفيذها، وتحسب جريمة إذا تحولت إلى فعل، وهذه تعتبر في نظر القانون جريمة مع سبق الإصرار؛ كون الفاعل قد خطط لها من قبل، هذا إذا كانت ضد شخص أو جماعة، في حين هي من الكبائر إن خصت شعوبا أو دولا.
للقضاء على كيان ما، يسبقه تمهيد يأخذ فترة زمنية لتبرير المراد، فينشر خلالها مسوغات مطعمة بوباء فكري-سياسي لإقناع الرأي العام في المجتمع من أجل تنفيذها. 
في موضوعنا هذا نتعرض إلى أحدى تلك الكبائر، الواردة ضمن سياق ما قدمه لنا صاحب كتاب (التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري، والصادر من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2013م في الدوحة-قطر في 1021 صفحة) من سيرة تاريخية، وإحصائيات، للشعب الكردي في غربي كردستان، وعلاقات سياسية، لحركتهم، ومفاهيم، حول مجتمعهم العشائري أو القومي، وبإسنادات ووثائق أغلبها ملفقة، أو مبتورة، أو أنها في ذاتها غير مسنودة؛ حيث يدركها الباحث دون عناية تذكر، وهنا لا بد لها أن تأخذ موقعها ضمن خانة الجنايات.
   والأسلوب لا يختلف عن أسلوب التشويهات التي يتبعها العديد من المثقفين في الدول الأخرى المحتلة لكردستان، الذين تدعمهم سلطاتهم الاستبدادية، وهي من نفس نموذج السلطات التي احتضنت الباحث محمد جمال باروت يوما، كباحث، وسخرته كموظف لهذه المهمات، على مدى العقود الماضية. وكأننا أمام شرائح من المثقفين والكتاب التابعة أو الموظفة عند السلطات، الموزعة بينهم الأدوار، بالتفرغ والعمل على هدم القضية الكردية حسب الجغرافيات التي يتوجدون فيها، فالذين من سوريا ينفون الوجود الكردي وجغرافية جنوب غربي كردستان، ويؤيدونها في العراق وتركيا أو إيران، وهكذا الشريحة المثقفة التابعة للسلطات العراقية، ينفونها ضمن العراق، ومثلهم في إيران وتركيا وهلمجرا. وهذه واحدة من الطرق الحديثة المستخدمة في تهميش القضية الكردستانية، والتي ذكرناها في بحثنا (الأساليب الحديثة للمراكز الأمنية في محاربة الكرد).
  طريقة محاولته في إبراز البحث، بهذه الغزارة من المعلومات، المزعومة على أنها متكاملة، ومبنية على دراسات علمية وأكاديمية، ومسنودة إلى مراجع وأبحاث متنوعة، يتلاشى حين يعرض لنا الأجزاء والأقسام المؤلفة البحث لأجلها إلى الأسانيد المبتورة، أو إلى العديد من المصادر العارية في معظمها من الحقيقة. ولا يكتفي بهذا فحسب، بل يستخدم أراء وأبحاث مجموعة من الباحثين والخبراء والسياسيين أو حتى المختصين في قسم من العلوم الإنسانية، ولكن في غير مواقعها، وأحيانا لا تغطي على التشويهات التاريخية الفاضحة المعروضة لتوثيق غايته. ومحتوى معظم فصوله الأساسية، هي تقاويل ذاتية من الباحث لتاريخ وجغرافية وديمغرافية المنطقة، ولا تستند على الحقائق التاريخية، وهي مبنية على الغاية الكلية العنصرية تجاه الشعب الكردي عامة وفي غربي كردستان بشكل خاص، فمعظم المصادر والمراجع، إما لا تذكر أو لا تثبت ما يعرضه، أو يبترها، أو أنها بذاتها منخورة وغير مسنودة، ولا تمت إلى العلمية بشيء في أغلبيتها.
  الكاتب الباحث، المنتقل بين أحزاب ومراكز علمية وبحثية متنوعة، فمن البعثي في بداياته إلى الشيوعي في عنفوانه، والشاغل لعدة وظائف حكومية ضمن سوريا الأسد، إلى أن تركها مع بدايات الثورة السورية، إلى مستقره الحالي، في (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) تحت أشراف السيد عزمي بشارة، في دولة قطر، الداعمة والناشرة لمفاهيم الإسلام السياسي العروبي الحديث، والمجندة لها كتابا وسياسيين وخبراء في معظم المجالات الفكرية والبحثية والسياسية والاقتصادية، ومن ضمنهم السيد محمد جمال باروت، المؤلف والمشارك في أكثر من ثلاثين عملا كتابياً، ما بين التاريخ والسياسة والتنمية البشرية، إلى النقد الأدبي، فهو الكاتب الباحث المتشعب المواهب، و”الرصين” في أبحاثه، والسلس في العرض، متجليا في إبراز ذاته بالبعد القومي العروبي المتحيز، وخاصة كتاباته التاريخية المتعلقة بالمسألة الكردية، أو جغرافية وديمغرافية غربي كردستان، وهي القضية التي تم توظيفه لها من قبل سلطة البعث والأسد فيما مضى، واليوم، ربما، كلفه المركز العربي للأبحاث في قطر بنفس المهمة. ويكون باحثنا قد انتقل من أحضان أسد سوريا إلى أحضان أسد قطر. وما يزيد من شكنا فيما ذكرناه توا، حين خصص المركز المذكور جزءا من أبحاث مؤتمره المنعقد في الدوحة عام 2011م؛ حيث كان للباحث محاضرة خاصة عرض فيها بحثه الملغوم حول الشعب الكردي، وكان عقد المؤتمر تحت عنوان: العرب وتركيا -تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، وكانت قضية كرد غربي كردستان من المواضيع الرئيسة المعروضة ضمن قاعات المؤتمر. وتم فيه تشويه تاريخ الكرد في غربي كردستان وكذلك التنمية الديمغرافية لكردها، وعمد المؤتمر على فصل جغرافيتهم عن كردستان بمجملها، وبعزيمة واضحة في التهجم. فالتحليل والعمل المنسق الوارد في الكتاب، يبديان الشكوك حول وجود تنسيق مسبق مع تركيا والقوى المعادية للكرد.
 بعد سلطة الأسد والبعث، باشر محمد جمال باروت في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر عمله السابق الذي اشتغل فيه أثناء وجوده في سوريا، مع تقديم كل أنواع الدعم المطلوب له. فأصدر كتابه المذكور هذا، متماهيا بطرق ملتوية لترسيخ جدليته الخاطئة، وغياب الإثباتات العلمية الداعمة لمصداقية مفاهيمه الواردة في الكتاب حول تاريخ وديمغرافية غربي كردستان، ويكون قد تقلد وجهة نظر ورؤية القوميين العرب الذين سبقوه.
 فبعمله هذا يكشف لنا عما كان قد طمسه بخلفية أممية، المتباهية بها يوما ما في عهد الاتحاد السوفيتي الآفل في ثنايا الماضي. بهذا تضيع المصداقية البحثية والعلمية في معظم الأجزاء المختصة بتاريخ وديمغرافية جنوب غربي كردستان، وتبين المعلومات للقارئ الملم أن معظم ما كتبه عن تاريخ الجزيرة السورية الماضي، وديمغرافيتها في المراحل الزمنية المتأخرة، ودراسته في هذين المجالين بشكل خاص وحول هذه البقعة الجغرافية خالية من المصداقية العلمية.
 رغم ذلك، ولقدرته على دمج المواضيع ببعضها في سلاسة لغوية جميلة، يكثر من سرد المصادر لإسناد مبتغاه، فيدرج كميات هائلة من المغالطات التاريخية والديمغرافية، ويحور مفاهيم مفبركة عن الشعب الكردي وقضيتهم في غربي كردستان، ويزور الحقائق لتمريرها على معظم القراء، مستخدما لتغطيته الأحداث، والحركات السكانية، وعلاقات النسيج الاجتماعي ضمن منطقة الجزيرة، وبغزارة، أسماء المصادر والمراكز العديدة (أنظر إلى مقدمة كتابه) يرفقها بتأييد للحق الكردي في الأجزاء المستعمرة الثلاث الأخرى، ويؤكد على جغرافية كردستان هناك، فيتوهم القارئ أن تلك الأسانيد توثق لما يعرضه من معلومات حول الجزء الجنوبي الغربي الملغي من منطقه، ولا يخجل من ذكر تلك المصادر كمنابع رئيسة مع الإشارة إلى الصفحة أو الفصل. وباحث من هذا الطراز يسعى، من خلال بحثه العلمي المزعوم، التضليل على القارئ، وبتلك الطرق، وهي ليست سوى استخفاف بعقل القارئ ويوهمه بسعة اطلاعه على المراجع، ولا يقف عند هذا الحد فحسب، بل يزعم علمية الأسلوب في بحثه، ليغطي على تجاوزاته التاريخية حول الجزء الجنوبي الغربي المستعمر، والمقتطع بمعاهدات مغبونة بين تركيا الكمالية وفرنسا من الأصل الشمالي.
المغالطات المقصودة والتي تندرج ضمن خانة الجنايات، عديدة، وتتكرر على مدار فصول الكتاب المتداخلة، ويمكن للقارئ بقليل من التدقيق والانتباه ملاحظتها، منها ما تتعلق بديمغرافية الكرد، وتاريخ الجزيرة الكردية والعربية القديمة والحديثة، وتصل المغالطات العديدة إلى درجة قد يكون الرد والتصحيح بعدد صفحات البحث نفسه، وسنأتي على ذكر بعضها في سياق بحثنا هذا: ولكن قبلها لا بد من تنبيه بعض الحكومات العربية وهيئاتهم السياسية ومؤسساتهم الثقافية إلى قضية مهمة تخص مصداقيتها العلمية ومكانتها وهي:
يتبع…
 
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
22/4/2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…