(الأنتلجنسيا التقليدية لا تغادر أوهامها)

إدريس خلو

لا يخفى على
أحد بأن ثورات الربيع العربي أحدثت انقلابات بنيوية عميقة في المنظومات الفكرية لدى
شريحة كبيرة من الأنتلجسيا العربية وألزمتها الظروف الجديدة للبحث عن بدائل فكرية
معاصرة تجعلها تواكب الجديد وتنهي صلتها مع الماضي, حيث لم تجلب لهم ولأوطانهم سوى
الويلات والحروب  وقمع الحريات والسجون والأفقار ونزف الثروات على ملذات شخصية
رغبوية لحكام مستبدين تحت عنوانين وطنية براقة كانت العروبة ووحدتها و تحرير قدس
أقداسها يافطات تسير خلفها الجموع مهاتفين بحياة يسوعهم القومي ومخلصهم,
 الأ أن شريحة كبيرة ما تزال ترفض كل ما حصل وتبقى معاندة وترفض المآلات الجديدة في
الواقع العربي ورفضهم لأشكال وأنظمة حكم جديدة من دساتير عصرية وأنظمة حكم
ديمقراطية يكون فيه الكل أصحاب حقوق لما تحمله هذه المنطقة من تنوع عرقي وطائفي
متناسين بأن ثورات الربيع العربي جاءت لتخلص شعوبها من الأنظمة المستبدة المتحجرة
وإقامة أنظمة ديمقراطية تحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق
الإنسان وحرية التعبير والتفكير، وحرية الفرد وضمان حقوق الأقليات العرقية والدينية
لأن القيم العروبية الأسلاموية الموروثة والسائدة والتي لها  جذور عميقة في
المجتمعات العربية تقف بالضد من الديمقراطية والليبرالية وحرية الفرد وحقوق المرأة.
وحقوق الأقليات هذه النزعة الرافضية لم تأت من فراغ، بل هي وليدة الظروف الموضوعية
والثقافة الموروثة  التي فطم منها الأنتلجسيات العربية والتي تمتد بجذورها الى
الفكر الأسلاموي والعروبي والتي تتسم بالجمود وترفض التغيير أذا تحدث عنها، أرنولد
توينبي، بأنها “حضارة متجمدة ” أي في سكون وركود، عصية على التطور والتغيير, كل هذا
يقودني ولو في هذه المقالة الصغيرة الى تشخيص أومقاربة لهذا الفكر الجمودي والذي
يمثله شريحة مذهبية دينية سأسميها بأسمها وهم (أتباع المذهب السني) مثالاً صارخاً
عن أنتلجسيا دينية ترفض التغيير وللمقاربة السياسية فعندما تم طرح الفيدرالية كشكل
من أشكال حقوق الشعب الكردي في كردستان العراق وقفت النخب السنوية في وجه
الفيدرالية وأعلنت نفيرها الفكري بأنها ترفض فدرلة العراق بعكس الشيعة في الجنوب
فحصل ما حصل فبقي الجنوب آمناً ومستتباً وأزدهرت كردستان وبدأت بعملية النهوض
وتحولت مناطق السنة الى حاضنة للأسلام المتطرف ليعيثوا في ديارهم فساداً وخراباً
اصحاب الرايات السوداء لتجز الرقاب أمام العدسات ليعيدوا بذلك عقارب الساعة الى ما
قبل 1400 سنة مضت وتتكرر المشهد في نسختها السورية حيث باتت الفيدرالية مطروحة كشكل
من أشكال الحكم لسوريا المستقبل في دولة أتحادية تضم ثلاث أقاليم ( سني – علوي –
كردي) في أتحاد سوري يتمتع الجميع فيها بحقوقة  الأ أن الأنتلجسيا السنية والتي
ترتدي لبوس العروبة تقف بالضد وما تصريحات المعارضين من العرب السنة خير دليل على
ذلك ليبقوا هولاء على أوهامهم الغزواتية مقتدين بسير السلف الصالح ومرددين خطابات
بلكنة أحمد سعيد من صوت العرب أيام الوحدات العروبية المنشودة كل ذلك من أجل أن
يكرر لنا نسخ الأستبداد والأنظمة المركزية المستبدة التي تروي غليل نفوسهم المريضة
,ما هكذا تبنى الأوطان فقد كشفت العورات عن الجميع وليس لنا الأ أن نتقبل الآخر لكي
نعيش في سلام ووئام وما على الجميع ألاأن يعترفوا ببعضهم البعض الآخر فقد زمن الفكر
الشمولي في منظومة أنا ومن بعدي الطوفان.
 16 3- 2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…