كردستان الغربية إلى أين؟ (2)

عدنان بدرالدين

ولكن ما الذي يجعل
الإدارة الذاتية الأوجلانية مشروعا سياسيا بلا أفق، طالما أنها صمدت لأكثر من سنتين
في ظروف حرب أهلية مدمرة، وفرضت نفسها كرقم صعب في ساحات المواجهة مع داعش بحيث
باتت القوى العظمى ذاتها تتود لها، لابل أن واشنطن ، بجلال قدرها ، دخلت في مواجهة
دبلوماسية حامية مع حليفتها القوية تركيا بسبب إعتبارها – قوات حماية الشعب –
التابعة للإدارة العتيدة “شريكا موثوقا” في الحرب على الإرهاب، رافضة ، وإن بعبارات
دبلوماسية منمقة ، مطالب تركية ملحة بإدراج هذه القوات وراعيها السياسي – حزب
الإتحاد الديمقراطي – على لائحة المنظمات الإرهابية أسوة بالعمال الكردستاني، الحزب
الأم، الموجود منذ فترة طويلة على لائحة الإرهاب لواشنطن وحلفائها في الإتحاد
الأوربي؟ 
دائرة الإعتراض على زعمنا هذا قد تتسع لتشمل تساؤلات ذات أبعاد أخلاقية تستحضر
البسالة المشهودة لها لقوات الحماية الشعبية ، وهو أمر لايمكن التشكيك به تحت أي
طائل، بالإضافة إلى عقد مقارنات، وإن كانت غير موفقة، بين الإدارة الأوجلانية
الحالية وبين تجربة كردستان العراق التي بدأت هي الأخرى ك”أمر واقع” قبل أن تتحول
بمرور الزمن إلى ماهي عليه الآن من حضور قوي في الساحة الدولية. ماذا عن الوجود
العسكري الأمريكي في بعض مناطق كردستان الغربية ، وزيارة – ماكغورك – والوفد
المرافق له ل – كوباني – ؟ يقول مؤيدوا الإدارة ، وهم ليسوا دوما من الساسة ، بل،
في كثير من الأحيان، مواطنون عاديون مؤيدون للإدارة وتوجهاتها ، ويعتقدون بصدق ،
لانعطي لأنفسنا حق التشكيك به ، بأن الأوجلانيين هم في طريقهم لأن يحولوا كردستان
الغربية بثورتهم “المستمرة” إلى نموذج رائد في المنطقة والعالم للديمقراطية
“الحقيقية” ، و جنة للتآخي بين الشعوب ، وإن كل ذلك آت “لاريب فيه” ، فهو ،
بمنظورهم ، قضية وقت وحسب.
أربعة أسباب رئيسية ، برأينا ، تجعل من الإدارة
الأوجلانية مشروعا سياسيا بلاأفق ، ومجرد ظاهرة مؤقتة أفرزتها أسباب طارئة ستزول
بزوال مسبباتها ، ولهذا فإن إحتمال الإعتراف الدولي أو حتى الإقليمي  بها، بشكلها
الحالي، هو إحتمال ضئيل للغاية بدرجة يمكن إهماله. وهذه الأسباب يمكن جمعها تحت
العناوين التالية: الإفتقار للجماهيرية ، ومشكلة التبعية ، ومأزق الهوية ، والإيغال
في العقائدية اللفظية.

أولا: الإفتقار للجماهيرية

أنآ على
دراية تامة بمدى إنزعاج أخوتنا الأوجلانينن من ذكر هذه الحقيقة التي ينكرونها
بالطبع جملة وتفصيلا، ويوصمون القائلين بها عادة، إما بالجهل ، وإما بكونهم مجرد
حاقدين تحركهم دوافع الغيرة والحسد من “الثورة ومنجزاتها”. ولكن الحقيقة الساطعة
التي تدعمها كثير من الوقائع تبين بوضوح  لاتخطئه العين بأن القاعدة الجماهيرية
لسلطة الأمر الواقع الأوجلانية لاتتعدى ، في أحسن الأحوال، العشرين بالمائة من
مجموع سكان كردستان الغربية، أي أنها لاتحظى بثقة أغلبية الشعب الذي تتكلم بإسمه
كثيرا. هلن تريدون شواهد على صحة ماأقول؟ إليكم فقط بعضا منها:
لم تقم الإدارة
العتيدة منذ تأسسيسها، أي منذ مايزيد على السنتين،  بتنظيم أية فعالية جماهيرية ذات
حضور يعتد به، وهي التي تنتمي لمدرسة سياسية تعتبرالتجمعات الشعبية الكبيرة بمثابة
إستعراض للهيبة والنفوذ ودليل على الشرعية الثورية. حتى الإحتفال بالذكرى السنوية
الثانية لإنبثاق الإدارة الذاتية تم في القاعات المغلقة. الفعاليات الجماهيرية التي
نظمتها الإدارة من أجل التضامن مع مدن كردستان الشمالية التي تعرضت لإعتداءات تركية
ظالمة ظلت ذات حضور محدود للغاية، رغم التعاطف الهائل لشعبنا مع أخوتهم وأهلهم في
الشمال. حملة التواقيع الأخيرة التي قام بها المجلس الوطني الكردي دعما لوفده إلى
جنيف 3 هو شاهد آخر على مدى رفض الشعب لسلطة الأمر الواقع، إذ قام بالتوقيع عليها
أكثر من ستمائة ألف من مواطني كردستان البالغين، وذلك في غضون ستة أيام فقط ، ورغم
أنها- الحملة –  نظمت بطريقة سيئة جدا. لكن مايعري هذه الحقيقة ويبرزها أكثر هي
السياسات القمعية والمعادية للحريات التي تنتهجها الإدارة مثل قانون التجنيد
الإجباري، وفرض الآتاوات والضرائب العشوائية، وكم الأفواه، وتقييد حرية الصحفيين،
ومنع القنوات التلفزيونية التي تنقل جزءا بسيطا من معاناة شعبنا تحت “حكم” هذه
السلطة الإشكالية. السلطات الديمقراطية المنتخبة لاتتعامل مع شعوبها بهذه الطريقة.
ثم لماذا لايحسم أخوتنا الأعزاء هذه المسألة بتكليف أحد مراكز إستطلاعات الرأي
العام الرصينة مثل – مؤسسة غالوب إنترناشونال – للكشف عن إتجاهات الرأي في كردستان
الغربية فيما يخص شعبية الأحزاب والتنظيمات الموجودة على سبيل المثال لاالحصر؟.
القضية لاتحتاج إلا إلى قليل من المال الذي يملكه هؤلاء الأخوة بوفرة. 

ثانيا: مشكلة التبعية

هذه هي مشكلة ملازمة لكل التنظيمات
الشمولية االتي لاتجد في الشعب مصدرا للشرعية، بل مجرد “قطيع ضال” يتولى التنظيم،
المسلح ب”الحقيقة المطلقة” أمر قيادته، و”تأديبه”، وسوقه إلى المستقبل الذي رسم
تفاصيله مسبقا “القائد الضرورة”. يتكلم “الزعيم” كثيرا عن الشعب، لكنه يقصد بذلك
“شعبه الخاص”، أي ذلك الذي إرتضى أن يكون عضوا في القطيع “المنضبط”/ تعبير القطيع
نسوقوه مجازا ولايجب أن يفسر كإهانة لأحد/، لا ذلك الذي يتحرك عن وعي بدوره كصانع
للتاريخ. لكن المشكلة تكمن في أن “شعب الزعيم” هو دائما مجرد أقلية صغيرة مقابل
أغلبية رافضة، أو مشككة تصبح قضية تطويعها على رأس أولوياته. يتم معالجة هذا المأزق
عادة عبر نشر الخوف وإحاطة الأقلية الطيعة بهالة من االطهارة والقدسية بإستخدام
وسائل دعاية فعالة ونشطة. تحتكر الدولة، بحكم دورها الوظيفي، حق إستخدام العنف-
المتحرر من كل القيود في الدولة الشمولية – وسيلة فعالة، ولهذا فهي لاتجد عادة
صعوبة تذكر في تنفيذ هذه المهمة، سواء من خلال ممارسة عنف منفلت تتولى أمر تنفيذه
المنظومة الأمنية الهرمية التي تتشعب إلى كل خلايا المجتمع، أو عبر إشعال الحروب
لتشذيب كل الإختلافات في وجه “العدو الخارجي” الذي يكون غالبا وهميا. التنظيم
الشمولي، وبحكم إمكانياته المحدودة عاجز عن تنفيذ مهمته هذه بقواه الذاتية، ولهذا
فإنه يلجأ، مكرها، إلى الإستعانة بمصادر خارجية لإكتساب أدوات القوة المفتقدة لكن
اللازمة، مع مايعنيه ذلك من الإكتفاء بدور الأداة الصغيرة في الحروب التي يشعلها
الكبار وكمجرد تابع لهم، وهو يفعل ذلك بحكم  مايعتقد أنه “ضرورة تاريخية لإنقاذ
القضية والشعب والثورة”. لكنه بذلك يحكم على “قضيته” ذاتها بالإعدام. فالدول، وخاصة
الشمولية منها، ليست منظمات خيرية. لاشيى يقدم في السياسة، بل أكاد إقول في الحياة،
بدون مقابل. وفي اللحظة التي يقايض فيها التنظيم الشمولي قراره المستقل بأدوات
البقاء يتحول من أداة فاعلة مفترضة في التاريخ إلى مجرد ورقة في مساومات
“الكبار”.
تجربة الحركة الأوجلانية، مع الأسف الشديد،  تجسد بأدق التفاصيل
الصورة المرسومة أعلاه. لم يفكر أحد في القيادة التركية محاورة أوجلان في آواخر
الثمانينينات، رغم أن تنظيمه كان في ذروة قوته، بل حاوروا الأسد المتحكم آنذاك
بمصير أوجلان وحزبه. القصة معروفة ولاحاجة لإعادة سردها. الصورة الآن لاتبدو مختلفة
كثيرا. صحيح أن دائرة حلفاء الحركة المتوهمين توسعت قليلا، إلا أنني متيقن بدرجة
كبيرة بأن النتائج، وأيضا ببالغ الأسف، لن تكون مختلفة هذه المرة أيضا، إذا لم
يبادر مناضلوا الحركة الأوجلانية، وهم بالآلاف، إلى وضع حد لهذه الوضع المقيت الذي
زج شعبنا لعقود في حلقة مغلقة من التبعية التي تؤدي إلى مزيد من العنف والإنكسارات،
والعنف الذي يؤدي إلى مزيد من التبعية.
للبحث صلة    

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* يعاني جميع شعوب العالم، بدرجات متفاوتة، من النظام الديني الحاكم في إيران. ولهذا السبب، يطالب الجميع بإسقاط هذا النظام الدكتاتوري وإنهائه. وفي تصريحات حادة وغير مسبوقة، أعلنت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن “47 عاماً من التسامح وإفساح المجال لأكبر راعٍ لإرهاب الدولة في العالم قد انتهت”. وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بحقيقة أن سياسة الاسترضاء…

حواس محمود في 12 مارس اذار 2004 كنت ذاهباً الى الكاتب الكردي السوري ابراهيم زورو الذي كان يعمل في المجمع الحكومي بالقامشلي ، كنت ذاهبا اليه لتنضيد مراجعتي لكتاب الشاعر والكاتب السوري المرحوم ممدوح عدوان والموسوم ب ” حيونة الانسان ” ويا للمفارقة أقول يا للمفارقة لأن ما سيحدث في القامشلي فيما بعد من أحداث لا يبخل كتاب عدوان…

علمنا في مركز عدل لحقوق الإنسان من مصادر مؤكّدة، قيام دورية عسكرية تابعة لقوات «الإدارة الذاتية» بمداهمة منزل أحد أقرباء الشاب جوان سرحان محمود في مدينة قامشلو واعتقاله أمام أنظارها، بعد أيام قليلة من قدومه من المملكة الهولندية. حيث أفادت أسرة جوان سرحان محمود، بـ«أنّه من مواليد 10-1-2000 وكان مقيماً في هولندا مدة ثمانية أعوام، وغادرها في 28 ديسمبر 2024…

كرمت إدارة موقع ولاتـي مه الكاتب والسياسي الكردي ” الأستاذ صلاح بدرالدين”، الرئيس الأسبق لحزب الاتحاد الشعبي الكردي، ورئيس جمعية الصداقة الكردية-العربية، ورئيس رابطة كاوا للثقافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس الموقع. يعد صلاح بدرالدين من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية الكردية في سوريا. فقد ولد في 11 آذار عام 1945 في قرية نعمتلي التابعة لقضاء قامشلي، ونشأ…